محمد الغلبزوري: باحث قي سلك الدكتوراه/ القانون الدولي العام .
لقد استطاع الحراك الشعبي بالريف -الذي اندلع على خلفية مقتل شهيد الكرامة “محسن فكري” ليلة يوم 28 اكتوبر 2016 في شاحنة النفايات- أن يصمد أكثر من ستة اشهر. بل الأكثر من ذلك، بدأ يتمدد كبقعة زيت يوم بعد يوم إلى كل مناطق الريف، كما استطاع أن يكسب مناعة ذاتية أقوى لمقاومة كل المناورات البئيسة الموجهة له، سواء من طرف المخزن وأذياله أو من أعداء الحرية.
ولا شك أن الكثير من المهتمين والمتتبعين، لقد لاحظوا أن هذا الحراك الشعبي المنبثق من عمق المجتمع الريفي ومعاناته، ليس كباقي الحركات الاحتجاجية التي عرفتها منطقة الريف بصفة خاصة والمغرب بصفة عامة منذ انتفاضة 1958 -1959، سواء من حيث الهوية والأرضية أو من حيث النهج والتكتيك.
وهذا ما لم يأخذ منا جهدا كبيرا في التحليل والدراسة، لأن نشطاء الحراك الشعبي كانوا قد اعلنوا صراحة عن هوية حراكهم؛ وأكدوا على أنهم على نهج الأمير “مولاي محند” سائرون، ومن مدرسته التحررية، يستمدون أهم المبادئ المؤطرة لاحتجاجاتهم وأهم مواقفهم المبدئية، من قبيل: الحرية/التحرر/التحرير، الموقف من اللأحزاب السياسية (مصيبتكم في حزبيتكم)، ومن الحكومة (هل انتم حكومة أو عصابة). وهذا ما يتبين كذلك بالملموس من خلال الشعارات والرموز (العلم الريفي، صورة الامير، المقولات) المرفوعة في كل الاحتجاجات المنظمة وكذا كلمات نشطاء الحراك.
ومنذ إعلان الحراك عن هذا النهج، تساءل الكثير من المتتبعين عن كيف يمكن لحراك سلمي الذي ابهر العالم بسلميته وحضاريته أن يستمد مرجعيته من رجل حرب/ مقاتل، وصاحب نظرية حرب العصابات، الذي حول الريف في بداية العشرينات من القرن الماضي إلى مقبرة دولية، سقط فيه الآلف من أعتد الجيوش العالمية تسليحا وتكتيكا وتدريبا، وفيه جرى وديان من دماء جيوش المحتلين الاسباني والفرنسي؟؟.
إذن، بالتعمق في جوهر هذا السؤال، يتضح لنا أن عبد الكريم كان رجلا حرب بامتياز، ولإثبات العكس ودحض هذه الفرضية، لابد من إثبات فرضية “سلمية عبد الكريم“.
ولهذا، ولأسباب منهجية، سأتعمد إلى طرح سؤال بصيغية مركبة على الشكل التالي: هل كان عبد الكريم في نهجهه التحرري رجل حرب/ مقاتل، أو رجل سلم؟.
وقبل الاجابة عن هذا السؤال، لابد من الاشارة أن الانتصارات البطولية التي حققها الزعيم محمد عبد الكريم الخطابي كانت بمثابة البوابة الكبيرة التي فتحتها لإسماع صوتها للعالم، إذ أن عمق هذه الانتصارات والمعارك لا يقل أهمية ولا وزنا مقارنة مع معارك حاسمة في تاريخ الإنسانية، فالفترة التاريخية التي دارت فيها المقاومة الريفية هي عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى وما عرفه من متغيرات جيوسياسية وإستراتيجية وبروز تحالفات دولية ورغبات استقلالية، ونداءات أممية ودولية لاحترام الشرعية الدولية والالتزام بمقتضيات القانون والعرف الدوليين.
وأمام هذه التحولات العالمية العميقة، ونظرا للأبعاد الإصلاحية والثورية لعبد الكريم الخطابي وإنجازاته في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فإنه كان مقتنعا اشد الاقتناع بضرورة احترام الشرعية الدولية، وذلك حتى يكسب الاعتراف الدولي بدولته (جمهورية الريف) التي أسسها سنة 1921.
وقبل ذلك، أي قبل تلك الانتصارات البطولية، وقبل بداية الحرب، كان عبد الكريم أكثر متشبثا بمبدأ السلمية، وكان يؤمن إيمانا راسخا بأن احتلال الاسبان للريف يقضي نهائيا على أي أمل في السلمية والتعاون السلمي، إذ أن الشعوب المقهورة التي فقدت السلام مع نفسها لا تستطيع أن تقيم سلاما وتعاونا حقيقيا بناء. وحتى آخر لحظة قبل بدء المقاومة والقتال أي الحرب، نراه يرسل الصحفي الاسباني “أورتيخو” إلى الجنرال “سلفستري” ليكرر له ما سبق أن قاله للجنرال “كاسترو جيرون” وهو استعداده التام للحوار والتعاون السلمي مع اسبانيا شريطة عدم الاحتلال العسكري. وباءت محاولة عبد الكريم في التعايش السلمي مع الإسبان بالفشل، حيث كان الشعور الذي يسيطر على العسكريين الاسبان هو البحث عن انتصارات عسكرية تعوضهم عن هزيمتهم في أمريكا الجنوبية، فضلا عن الخلافات السياسية والمزايدات بين القوى المتنازعة في داخل إسبانيا(1).
ونفس الشيء أكده كذلك عبد الكريم الخطابي في علاقته مع فرنسا، حيث قال: “إن موقفنا من فرنسا موقف ودي إلى درجة قصوى، فنحن لم نرغب سوى في علاقات سلمية معها، وليس في نيتنا مهاجمة نفوذها بالمغرب، وإن الحرب مع فرنسا -في نظري- أبعد من أتصورها ما لم تهاجمنا فرنسا نفسها، فإذا ما كنت ضحية هجوم، فسوف ندافع عن أنفسنا…(2)”. وأضاف كذلك: “فرنسا تريد غزو الريف مع أن الحكومة الريفية لا تريد إلا أن تعيش في سلام مع فرنسا، لذا يجب أن تعترف باستقلال الريف(3)”.
وكانت دعوات عبد الكريم لإسبانيا وفرنسا إلى إرساء قواعد التعاون السلمي متكررة، وذلك إيمانا منه بحتمية هذا التعاون ليس لشعبه فقط، وإنما لكل شعوب المنطقة وللعالم أجمع. هذه هي عقيدة عبد الكريم الخطابي الأساسية في السلام ليس على المستوى الإقليمي فقط، بل كمبدأ عالمي لا بد أن يسود(4). حيث كان عبد الكريم لا يفهم معنى الحياة إلا بالسلام، وهذا ما قاله عن نفسه: “إنني أكره الحرب ولا أفهم معنى للحياة إلا مع الحرية والكرامة والعدل والمساواة”(5).
وكانت لعبد الكريم الخطابي وجهة نظر صائبة في كيفية التعامل بين الدول المتقدمة وتلك السائرة في طريق النمو، وتتمثل في أن التعاون السلمي يقوم على أساس احترام حق الشعوب الأقل نموا في تقرير مصيرها، وأن تحكم نفسها بنفسها وفق تقاليدها وأعرافها والتي إذا أرادت أن تطور نفسها فإن ذلك بمحض إرادتها، فالتعاون لا يعني فرض قيم الأقوى، بل الاستفادة من مناهجه العلمية وتطوره التكنولوجي(6). حيث لا يمكن للإنسان أن يتحرر باستعباد الآخرين وحرمانهم من حقوقهم في العيش بكرامة، ولا معنى للحرية في غياب العدل، وهما توأمان. وقد أوجز “دافيد هارت” العقلية السلمية للخطابي قائلا: “لكنه لم ينس أبدا أنه كان قاضيا”(7).
وبقي عبد الكريم وفيا لمبدأ السلمية وحل النزاعات بالطرق السلمية طيلة مراحل الحرب التي خاضها مع اسبانيا وفرنسا. وهذا ما عبر عنه في الرسالة التي تركها للعالم، والمنشورة بأسبوعية “التايمز” معربا عن موقفه من الدول الغازية حيث قال: “نحن مجردون من المسؤولية، وكل العالم يعرف اليوم أننا مهيأون لصنع السلام مع خصومنا. إننا لا ننشد سوى العدالة ونبحث عن الهدوء. وهذا كل شيء. لا يهمنا إذا كان أعداؤنا لأغراض سياسية يقدمون ادعاءات خاطئة. لقد بذلنا قصارى جهدنا للتواصل مع السلطات الفرنسية والإسبانية، مرات ومرات، ولكن كل مرة كانوا يواجهوننا بكبريائهم وأنانيتهم، مؤولين مرامينا إلى عكس مقاصدنا الحقيقية. نحن الطرف الأضعف، ولا نملك أي قوة لمواصلة الحرب، أو المقاومة لمدة أطول. ولهذا، يتهموننا أحيانا بالضعف، وأحيانا أخرى بمكابدتنا الهزيمة، وهذا كلما قمنا اتجاههم باتصال، أو أظهرنا أي رغبة في السلام..”(8).
وبسبب احترامه لأعراف الحرب وتجنبه للاصطدام مع السكان المدنيين امتنع الخطابي مباشرة بعد انتصارات معركة أنوال اقتحام مدينة مليلية المحتلة رغم أنها بقيت ثلاثة أيام بدون دفاع، ويقول في هذا الصدد: “كنا نعرف أن مليلية بدون دفاع، وكلفنا كثيرا، نحن لم نرغب في تجاوز واد «كرت» وإرساء الحدود هناك، ولكن تخوفنا من اقتحام القبائل الغاضبة لمليلية. لو حدث ذلك لكان الأمر مرعبا، لكانت الإنسانية كلها ارتعبت من عملية النهب والحرائق والاغتصاب وعمليات قتل. شقيقي (امحمد) فهم ذلك، وأرسل أحد قادة المقاومة رفقة ثلاثة قياد و)600( رجل لتفادي حصول ذلك. لقد بقوا ثلاثة أيام في جبل “غوروغو” يحمون مليلية حتى تمكن الجنرال برينغير من إقامة خط دفاعي”. ويضيف موضحا: “تطلعنا وقتها كما نتطلع الآن أن يعتبروننا شعبا كريما وليس قبائل متوحشة. ولهذا، رفضنا اقتحام مليلية، العملية التي كان سيتم اعتبارها وحشية في العالم”(9). وكان عبد الكريم يقول دائما: “أي انتصار هذا الذي يستحق أن يقال عنه انتصار إذا كان الطريق إليه يمر على جثث الأطفال والشيوخ والأبرياء، هذا الانتصار عار على القيم الإنسانية”(10).
ونفس الشيء بالنسبة لمدينتي فاس وتازة، فبعد الانتصارات البطولية التي حققها الجيش الريفي على الجيش الفرنسي، كان باستطاعة الريفيين الدخول إلى المدينتين وتحريرهما وقطع السكك الحديدية التي كانت تربط المغرب بالجزائر، وبالتالي سيكون بمثابة بداية انتهاء الاحتلال الفرنسي بالمغرب، ولكن دائما كان الخوف من المدنيين هو الهاجس الذي يحرك التكتيك الحربي للخطابي.
ومن جانب آخر، فقد تم التعامل مع قضية أسرى الحرب بالطريقة التي لا تسمح بإهانة الكرامة الإنسانية، أو القيم الأخلاقية. في الوقت الذي كان فيه الإسبان يتباهون برفع رؤوس أسراهم بعد قتلهم أمام عدسات المصورين(11). كان عبد الكريم يعامل الأسرى بالاحترام الذي هم أهل له، ولم يفكر أبدا في معاملتهم بالقسوة أو الانتقام منه. وقد أصدر أوامر بالاتفاق مع أعضاء الحكومة الريفية بإنزال أشد العقاب إلى حد القتل، بمن يعتدي على الاسبانيين أو الأوربيين أو يخالف قوانين وأعراف الحرب. ويحكي أزرقان كيف حافظ عبد الكريم على السجناء حتى إنهم كانوا يدفعون “لهم الفرش التي عندهم (بدارهم) بمخداتهم ووسائدهم ويطبخون لهم في دارهم”(12). ويضيف وزير الخارجية محمد أزرقان في هذا الشأن: “…وقد اعتنى السيد بن عبد الكريم بشأن المسجونين حتى إنه كان يطبخ لهم الطعام بداره، ويوجه لهم فيأكلونه، وما فضل عليهم يرمونه، ولا يرجعونه للمجاهدين الذين هم أحوج منهم إليه، ويتأسف المجاهدون على إضاعة ذلك الطعام الذي يفضل عنهم…”.
ويذكر أحد الباحثين كيف أن الأمير كان يعتني حتى بالأسيرات بكامل الكرامة الإنسانية، فهو لم يتخذ سبايا كما كان يقع في السابق مثلا، مستشهدا كيف أن إحداهن بعد إطلاق سراحها عادت لتسكن بالحسيمة سنة 1950، وراسلت الخطابي حين سمعت بلجوئه إلى القاهرة سنة 1947، إذ كتبت إليه تشكره على المعاملة الطيبة التي لقيتها، خلال السنوات الخمس من أسرها(13).
أما فيما يخص الجرائم التي ارتكبتها بعض القبائل الريفية في مركز أعروي ضد جنود الاحتلال بقيادة الجنرال “نافارو” رغم استسلام هذا الأخير، فقد أشارت معلومات استخباراتية مؤرخة في 6 غشت 1921، إلى أن خليفة عبد الكريم كان قد اتفق مع الجنرال “نافارو” حول إخلاء مركز أعروي. وفي الأخير، وفي نفس اليوم العاشر من شهر غشت، تاريخ استسلام هذا المركز، كان خليفة عبد الكريم متواجدا بالناظور، حيث ذكر عناصر الحركة بضرورة اتخاذ التدابير اللازمة حتى يغادر الطابور الاسباني مركز أعروي، مع تقديم كل أنواع الضمانات لأفراد (14). إلا أن سكان تلك القبائل لم يحترموا ما تم الاتفاق عليه وقتلوا الجنود الاسبان. إلا أن هذا لا يعني أن عبد الكريم لم يقم بمحاولات لتجنب استعمال العنف ضد الإسبان والإساءة إليهم طبقا لمتطلبات قانون الحرب.
ومن جهة أخرى، كان بإمكان محمد عبد الكريم الخطابي أن يواصل المقاومة إلى آخر رمق عوض استسلامه، ولكن مجرد أن ألتقط الإشارة بأن التحالف الثلاثي ( الفرنسي- الاسباني- الألماني) ماضي قدما نحو الإبادة الجماعية للريفيين بواسطة الأسلحة الكيماوية المحظورة دوليا، فضل الاستسلام عوض المغامرة بشعبه. ولهذا، قال قولته الشهيرة: “أنا المسؤول عن هذا الشعب الذي يجب أن يبقى حيا، فقد أهزم أنا ولكن الأجيال القادمة، لا يجب أن تنهزم. لقد أستسلمت ليبقى هذا الشعب حيا، وبذلك أعطيه فرصة الانتصار مستقبلا، فأذهب أنا ويبقى الشعب“.
ومن خلال ما سبق، يتضح لنا أن محمد عبد الكريم امتاز بخاصية الانضباط التام للسلمية، حيث دعا إلى احترام مبدأ حل المنازعات بالطرق السلمية وحقوق الإنسان، والحق في تقرير مصير الشعوب، والالتزام بقواعد وأعراف الحرب (القانون الدولي الإنساني)، وما تتضمنها من المبادئ التي تقتضيها العمليات القتالية، كاحترام الأسرى، ووقف إطلاق النار، ونبذ الحرب والعنف. ولهذا، اكتسبت فالمقاومة الريفية الشرعية والمشروعية الدولية في مقاومة المحتل وفقا لمقتضيات ومبادئ القانون الدولي. وهذا ما يبين أن عبد الكريم كان رجل سلم وليس رجل حرب، وقد فرض عليه الحرب من طرف المحتل الاسباني والفرنسي، وبالتالي كان ملزما بالقيام بالدفاع الشرعي الذي كان تجيزه ميثاق عصبة الأمم واتفاقيات دولية أخرى.






























