هي ليست بقصة مفبركة من وحي الخيال ، أو أحجية غارقة في الطلاسم والرموز لسرقة الوقت من القاريء، بل هي واقعة حدثت فعلا في زمن ما هاهنا ، قد تصلح كفيلم بسيناريو جيد بإخراج رديء، يحول أطوار حلقاتها الى مجال إبداعي يحلق بنا في فضاء لا متناهي من رقعة تناسل أسئلة الواقع الإجتماعي ، قد يسمح من خلاله رصد اختلالات بنيوية تنخر جسد الإدارة المغربية، وكيف تعطل ظاهرة المحسوبية والرشوة عملية اشتغالها الطبيعي والشفاف ، حينما تكون وراءها أيادي ملوثة وعقول فاسدة وضمائر تكاد أن تكون غائبة عن مسرح المراقبة والمحاسبة، وتعمل على نشر الزبونية واستئساد عقلية نفوذ السلطة وتغولها، وضربا لأية معايير تخص تكافؤ الفرص بين الناس أثناء وبعد اجتياز المباريات وامتحانات الولوج الى سوق الشغل، والتي أصبحت ظاهرة اجتماعية قائمة الذات، وأثبتت جميع الأبحاث الإجتماعية على أنها معضلة حقيقية وهي لصيقة بمسلكيات فردية أو جماعية في بلادنا وهي نفس الوضعية التي تنسحب على البلدان السائرة في طريق النمو ،قد تحتاج حسب العديد من الدراسات الى مجهود كبير للتخفيف منها( المحسوبية والرشوة على سبيل المثال لا الحصر) كغاية ممكنة التحقق وليس للقضاء عليها نهائيا كحلم يبقى مستحيلا،بعدما أضحت مشكلات تطرح نفسها بمثابة وباء تكلف الدول التي تستشري في جسم مجتمعاتها، ميزانيات هائلة للحد من مضاعفاتها السلبية على مسارات التنمية والإستثمارات الخارجية، علاوة على السمعة في المحافل الدولية .
تعود وقائع هذه القصة الواقعية الى أواخر الثمانينات من القرن الماضي وتحديدا الى سنة 1989 ،ففي صيف هذه السنة انتشر خبر اعتزام مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة، على إجراء مباراة مفتوحة فقط في وجه أبناء العاملين والمتقاعدين من هذه المؤسسة، لاختيار شخصين فقط (02) ، سيوظفان كمستخدمين في إحدى مرافقها، التي كانت في طور التحويل من الخطوط الجوية الملكية الى المكتب الوطني للمطارات ONDA، و قد احتشد لهذه الغاية ومنذ الساعات الأولى من إحدى صباحات صيف 1989 بالساحة المقابلة لبوابة دخول وخروج المسافرين، ما يفوق الثلاثين شخصا كلهم عاطلون عن العمل، وكنت من بين المترشحين لاجتياز هذه المباراة الغريبة الأطوار، وفي قرارة نفسي فكرة أخرى كانت تخالجني تقول بأن هذه المباراة لن تكون عادلة ولن تكون شفافة، ما دام أن مشروع هذا المطار الذي أنجز في أواسط الستينات من القرن الماضي قد ترك وراءه تهمة فصل دوار السواني الى شطرين ( السواني ،والسواني الأعلى ) متباعدان عن بعضهما البعض قسرا بالأسلاك والجدران ومطاردة السكان المقتربين منه، بالرغم من قربهما الجغرافي، وما ترتب عنه تقطيع الأوصال وتبادل الزيارات وصلات الرحم بين العائلات والأسر بالدواوير الأخرى المجاورة ،وهي نفس الفكرة التي شاطرني فيها أصدقاء آخرين انبروا هم أيضا لاجتياز هذه المباراة وكلهم أمل أن يتحقق حلمهم في الشغل بجوار مقر سكناهم ،وبينما كانت جموع المترشحين تنتظر هذه المباراة بشوق ممزوج بأمل الطلاق مع البطالة،كانت حركة دائبة للمسافرين ذهابا وإيابا موزعين بين الراغبين في السفر داخل أو خارج الوطن،وبين المختارين للعودة عبر هذا المطار أو السواح الذين كانوا يتوافدون بأعداد كبيرة من جنسيات مختلفة عبر البوابة الجوية والذين يقصدون المنتجع السياحي لنادي البحر الأبيض المتوسط المعروف لدى العام والخاص ب (كلوب ميديتيراني ) لقضاء عطلهم الصيفية، مع العلم بأن المطار في هذه الفترة كان يعرف حركة هبوط وإقلاع عدد كبير من الطائرات من مختلف الأصناف والأحجام يوميا، لكن في يوم كل ثلاثاء من كل أسبوع كان المطار يشهد حركة إضافية في عدد الطائرت التي كانت تحط في أرضيته،والتي لم تكن هدير محركاتها تتوقف في سماء المنطقة والدواوير المجاورة، بحيث قادني فضولي في إحدى الأيام أن قمت بإحصاء ما يفوق من 19 طائرة حطت كلها في أحد أيام الثلاثاء خلال النصف الثاني من عقد الثمانينات من القرن الماضي، وهو دليل على صحة الرواج التجاري وقوة حركة المسافرين التي كان يشهدها إقليم الحسيمة والنواحي عبر هذه البوابة الجوية، عكس وضعيتها الحالية التي أصبحت شبه مهجورة ولا يعلم سبب ذلك إلا الضالعون في علم الإقتصاد والسياحة وما جاورهما !
وبينما كنا نتابع هذه المشاهد على وقع حركة دخول المسافرين وخروج الوافدين، كان مدير المطار حينذاك يشرف شخصيا على عملية إعداد واستقبال المترشحين، حينما قطع صوت هبوط طائرة صمت الإنتظار ، لتحط طائرة بوينغ 337 على أرضية المطار حوالي الساعة التاسعة صباحا، وهي الساعة التي كان من المفروض أن تبدأ فيه المباراة حسب ما أخبرنا به سابقا،وكان من المفروض أن يكون المسؤول أو المسؤولين المكلفين بإجراء المباراة على متن هذه الرحلة نفسها، وهو ما حدث بالفعل، ولم تمض إلا دقائق حتى بدأ المدير شخصيا بالنداء على المترشحين واحدا واحدا من القاعة الكبيرة التي طلب منا بالإنتظار فيها، وفي ظرف قياسي لم يتجاوز الساعة أو يزيد بقليل حتى نودي على الجميع للخضوع لأسئلة شفوية عشوائية في الثقافة العامة، وكان يطلب من كل مترشح بعد اجتيازه ل(الإمتحان ) أن يعود مرة أخرى لقاعة الإنتظار، وبعدما أنهى ذلك المسؤول هذه المهمة والذي قيل : ( بأنه مسؤول كبير في المكتب الوطني للمطارات)، التحق بنا هذا الأخير بسرعة ، ليخبرنا على الفور، بعد أن حزم حقيبته ليعود في نفس الطائرة التي أقلته باتجاه الدار البيضاء، بما مفاده : ( أن نتيجة المباراة سوف ترسل عبر نظام التليكس الى المطار وسوف يتولى مدير المطار بإخبار الفائزين الإثنين بالمنصبين المتبارى حولهما ) وهو يودعنا بلغة لا تخلو من تكشير عن أسنان تخفي وراءها خدعة ماكرة، وهو يضيف متحدثا وبلا خجل بأن المطار سيعرف تشغيل أبناء المنطقة وسينفتح بذلك على محيطه الخارجي بلا شك، وسيساهم في الحد من البطالة، وهي اللغة التي ستكشف الأيام القليلة التي تلت المباراة عن زيفها واستبطانها للغة مغايرة تماما، وأما تسويق وإجراء تلك المباراة فلم تكن سوى مسرحية هزلية تخفي ما وراء الأكمة ما وراءها ،أدى بطولتها على الخشبة مرشحون بوجوههم وهوياتهم المعروفة، لكنهم فوجئوا بعد أيام بأن الجوائز التقطتها أيادي عناصر أخرى وهي تعتلي المنصة بوجوه مقنعة ،وشاع الخبر كالنار في الهشيم عبر عائلات المترشحين وليس عبر التليكس، بأن المنصبين قد تم تشغليهما من قبل شخصين غريبين أوتي بهما من مناطق بعيدة، وذلك انسجاما مع شعار انغلاق المطار أكثر مع المحيط الإجتماعي في شأن التشغيل بعدما كان سببا في إغلاق المعابر على السكان منذ نشأته، وعدم إسهامه حتى في إصلاح الطرقات المغبرة والمحفرة المحيطة والتي لم تعد صالحة للإستعمال، وما تزال نتيجة المباراة غير معروفة لحد الآن، رغم مرور قرابة ثلاثة عقود على إجرائها، فعن أية تنمية يمكن أن نتحدث عنها بوقاحة حينما يتم إقصاء أبناء المنطقة من حقهم في الإستفادة من الشغل ؟وعن أية معايير للإختيار استندت اليها المصالح المعنية أثناء القبول بالشغل لهذا ورفض ذاك؟ هذه الأسئلة تطرح نفسها بكل ثقلها وهي تتلمس أجوبتها ولو في قتامة هذا الواقع المر الذي يربك جميع حسابات الضمائر الحية، التي لا ترقص على إيقاع نغم الرشوة والمحسوبية، في زمن كانت الخفافيش الطائرة تنشط حركتها وتنتعش على حساب معاناة عطالة الآخرين وضرب حقهم في الشغل، وتقتنص الفرص المتاحة بكل ما أوتيت من مكر وخديعة لمراكمة الإغتناء غير المشروع، والتلاعب بمصائر الناس في مقابل التوسيع من رقعة البؤس والضياع لأجيال من الشباب حرموا من حقهم في الإستفادة من ثروات الوطن، تحت عنوان عريض يقول لا تنمية حقيقية بدون تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين والمواطنات بدءا من حق التعليم والصحة والشغل والتنقل والتعبير وغيرها من الحقوق غير القابلة للتصرف والإنتهاك تحت سماء هذا الوطن، فبعد مرور ثلاثة عقود من الزمن أين وصلت نتيجة تلك المباراة إذن وإلى أية جهة أرسلت إليها ؟
محمد بلمزيان .





























