بقـــلـــم : خــالد البوهالي
باحث في الشؤون الدولية
تعلمنا في دروس السياسة أن العمل العسكري وجد لخدمة أهداف السياسة، بمعنى أن الحرب وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية للدولة، فبدون تحقيق هاته الأهداف لا يمكن الحديث عن نصر عسكري، بل هزيمة سياسية، و الأمثلة من التاريخ متعددة.
ينطبق هذا الأمر على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد ظل طوال الأيام الماضية يتحدث عن ضربات موجعة للجيش السوري و حلفائه دون الإعلان عن تراجع هذا الأخير و تقهقره إلى الخطوط الخلفية، و هو ما شاهدناه خلال القمة التي جمعته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فالرئيس التركي بدا مكشوفا بدون أوراق ضغط أو مساومة، فهو ذهب لطلب وقف إطلاق النار فقط و هو الرئيس المعروف عنه القدرة على المساومة و الضغط.
و لعل تصريح السيد إبراهيم قالن المتحدث الرسمي باسم الرئاسة التركية، يزكي هذا الطرح عندما قال أن الرئيس التركي ذاهب إلى موسكو، من أجل البحث عن وقف لإطلاق النار في إدلب. و ليس انسحاب سوري إلى حدود اتفاق سوتشي 2018، و زكى تصريح الرئيس رجب طيب أردوغان بقوله ،أنه هنا لتمتين العلاقات و سبل تعزيزها بين بلاده و روسيا. ماذا يعني هذا ؟
الجواب طبعا ،أن أردوغان سلم بالأمر الواقع ،قبل الذهاب إلى موسكو فالجيش التركي تكبد خسائر فادحة بالمئات من جنوده و ضباطه مع آلياتهم و معداتهم باعتراف اردوغان نفسه، و الجيش السوري و معه حلفاؤه و القوات الجوية الفضائية الروسية قد أطبقوا على جل البلدات و القرى بريف إدلب و كذلك الطريق السريع “إم 5” الذي يربط بين دمشق و حلب، كان آخرها مدينة سراقب السورية، و هذا يعني أن سيطرة الجيش السوري على الأرض قد أصبحت أمرا واقعا و لا نقاش حولها، رغم تصريح فؤاد أقطاي نائب الرئيس التركي الذي نقلته وكالة أنباء الأناضول، من أن التفاهم الملحق الذي تم التوصل إليه خلال زيارة الرئيس أردوغان إلى روسيا، يعيد إحياء مساري أستانا وسوتشي فهو يدرك أن سوريا و روسيا لن تتنازلا عن مكاسبهما الإستراتيجية التي حققوها في إدلب، و هذا ما أشرنا له في مقالنا السابق قمة بوتين و أردوغان المأمول و المتوقع،
فاتفاق سوتشي 2018 ،الذي وقعه أردوغان مع بوتين أصبح غير ذي موضوع، و عديم الأثر فالمماطلة في تنفيذ ما اتُفق عليه ، فضلا عن الهجومات المتكررة للجماعات الإرهابية المسلحة، على مواقع الجيش السوري و القواعد العسكرية الروسية بحميميم، دفعت روسيا إلى التدخل و بالتالي استرجاع المزيد من الأراضي السورية من يد التنظيمات الإرهابية، هو ما أشار إليه بوتين في لقاء القمة، و كأنها رسالة مبطنة لأردوغان مفادها أنك وقعت معنا اتفاق سوتشي و لم تلتزم به فاخترنا اللجوء إلى استعمال القوة.
كما أن الوثيقة المتضمنة لثلاث نقاط التي أعلن عن الاتفاق بشأنها لم تتضمن أي إشارة لانسحاب الجيش السوري من المواقع التي استعادها بإدلب بل نصت فقط على الإجراءات التالية:
1- وقف كل الأعمال القتالية على خط التماس القائم في منطقة إدلب لخفض التصعيد اعتبارا من 00:01 من يوم 6 مارس عام 2020.
2- إنشاء ممر آمن عرضه 6 كيلومترات شمالا و6 كيلومترات جنوبا من الطريق “M4″، ليتم تنسيق المعايير الدقيقة لعمل الممر الآمن عبر قنوات الاتصال بين وزارتي الدفاع للاتحاد الروسي والجمهورية التركية في غضون 7 أيام.
3- بدء الدوريات الروسية التركية المشتركة يوم 15 مارس 2020 على طول الطريق “M4″، من بلدة ترنبة الواقعة على بعد كيلومترين من مدينة سراقب ووصولا إلى بلدة عين الحور.
و هذا بالمفهوم العسكري و الاستراتيجي أن أردوغان حُشر في الزاوية و لم يعد له من حل سوى الانصياع و القبول بهذا الاتفاق الممزوج بطعم الخسارة فهل سيلتزم بذلك؟
المعروف عن أردوغان أنه شخص يجيد المناورة و لن يجد غضاضة في التملص من الاتفاق متى سنحت له الفرصة بذلك كما فعل باتفاق سوتشي، و بوتين بحسه المخابراتي و فهمه لطريقة تفكير أردوغان يدرك ذلك و يتحسب له، و أردوغان يعلم أنه إذا حاول خرق الاتفاق فالطيران الروسي و الجيش السوري و حلفاؤه سيكونون بالمرصاد لأي خرق من قبل التنظيمات الإرهابية، و بالتالي استعادة ما تبقى من إدلب بمعنى أنه سيعطي المبرر للسوريين و الروس للهجوم على تمركز المسلحين و دحرهم إلى داخل التراب التركي، خصوصا و أن معنويات هؤلاء في الحضيض حسب ما يتداوله مراسلوا وكالات الأنباء، مما يعني نهاية المغامرة الأردوغانية في سورية، بخسارة سياسية قد تعصف بمستقبله السياسي، لكن في الوقت الحالي سيدعن أردوغان للاتفاق نظرا للضغوطات التي يتعرض لها في الداخل التركي من قوى المعارضة بزعامة إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول، التي تطالبه بالانسحاب من سورية خصوصا و أن أي تصرف أهوج قد يقلل من حظوظه في الفوز في الانتخابات الرئاسية 2023 التي يطمح في الفوز بولاية أخرى، كما أن بوتين منح له سلم النزول من الشجرة مما يحفظ له ما تبقى من ماء وجهه أمام الرأي العام التركي.
خلاصة القول أن لقاء القمة كان بطعم الخسارة لتركيا من الناحية السياسية و العسكرية، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، إلى ذلك الحين ليطل الله في عمرنا جميعا.































