لعل أهم الركائز التي يستند عليها هدف إقامة العدل و بلوغ أقصى درجات الإنصاف بين الناس، تتمثل، وفق ثقافة عصر الحريات و مبادئ حقوق الإنسان الأممية، في إقرار مبدأ مركزي هو المساواة أمام القانون مع انتفاء إمكانية الاستثناء من الرضوخ له تحت أي مبرر أو مسوغ كيفما كانت طبيعته.
مناسبة التذكير بمبدأ المساواة أمام القانون، و هو للعلم مطلب عريق و دائم لمعظم الحركات و الاتحادات الحقوقية داخل الوطن، يرتبط بالآراء و المواقف التي جرى التعبير عنها من قبل أشخاص، طبيعيين كانوا أم لا، في موضوع اعتقال الصحفي سليمان الريسوني و إيداعه على يد السلطة القضائية رهن تدبير الحراسة النظرية إلى حين استكمال إجراءات البحث و التحقيق معه بشأن ما نُسِبَ له من تهم تتعلق بــــ “هتك العرض بالعنف والاحتجاز” و ذلك إثر شكاية قُدِّمت في مواجهته أمام الادعاء العام من طرف شاب يعتبر نفسه منتميا لدائرة المثليين.
على مستوى الموضوع، يجدر التنبيه إلى أن القانون الجنائي المغربي نص في الفصل 489 منه على أنه :” يعاقب بالحبس، من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى ألف درهم من ارتكب فعلا من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه، ما لم يكن فعله جريمة أشد” ومن جانب آخر نص الفصل 485 من ذات القانون على المعاقبة “بالسجن من خمس الى عشر سنوات من هتك أو حاول هتك عرض شخص ذكرا كان أم أنثى مع استعمال العنف”.
تأسيسا على مقتضيات هذين الفصلين، ظهرت، في خضم هذه النازلة، تصريحات متفاوتة سواء من حيث درجة حدتها أو من حيث مطالبها و مزاعمها و ادعاءاتها، لكن تصريحات بعينها طالبت، من باب أولى، بإنفاذ القانون في حق الشاب المِثلي، و هاجمت ما اعتبرته “جريمة لواط” اعتاد على ممارستها، و تستحق، تبعا لذلك أن توصف بكونها جريمة “شذوذ الجنسي”، و بالنتيجة، وجبت متابعة هذا الشاب بنية إيقاع العقوبة المنصوص عليها في الفصل 489 من القانون الجنائي في حقه، و ذلك بالرغم من كون الشاب المذكور يعتبر “مثليا”، بحسب ما أعلنه و أفاد به الجمهور، و ليس شاذا بحسب منطوق الفصل المذكور.
في مقابل ذلك، انبرى عدد من التصريحات و التدوينات للقول بأن ما نُسب لرئيس التحرير سليمان الريسوني لا يعدو كونه مجرد ملف فارغ، و أن المتابعة التي لاحقته من طرف الادعاء العام قد لا تكون سوى سلوك انتقامي باشرته الدولة للنيل من الرجل، لكونه ما انفك يهاجم و ينتقد بقوة و بأس شديد سلوكَ السلطة و سياساتِها في قطاعات ما.
هنا تتضح غرابة كيفية تعامل المجتمع مع أفراده، و كيف أن الشاب، المُصَرِّح بحالته المثلية، غدا هدفا سهلا للشتم و التقريع و التحريض ضده، لا لشيء إلا لكونه، بحسب الاعتقاد السائد، “مجرد لواطي منبوذ” يستحق العذاب الأليم !.
في الجانب الآخر، وقع عديد الناس في أخطاء معرفية و منهجية، حين تبنوا وجهات نظر مدافعة عن سليمان الريسوني و عن براءته الحتمية مما يُنسب له فعله، و هو دفاع لا ينبني على علم تام بالوقائع والأدلة التي قد تكون واردة في إضبارة القضية، بل فقط لأن الجمهور تكونت لديه قناعة راسخة بأن الشخص موضوع المتابعة يعتبر صحفيا مناوئا للسلطة و كاشفا لعيوبها و أخطائها، وهو لذلك الاعتبار، لا يجوز أن يقترف جريمة من الصنف المشار إليها في الفصل 485 من القانون الجنائي ، أي جرائم “محاولة هتك عرض شخص باستعمال العنف”. !
الحقيقة أن المتهم سليمان الريسوني، سواء كان منتقدا أو مواليا للسلطة، فهو بريء حتى يثبت العكس، و أن القضاء، واقفا كان أم جالسا و بمختلف درجات التقاضي أمامه، هو من يملك وحده صلاحية الحكم في القضية وفق ما يتضمنه ملفها من أبحاث و تحقيقات و أوراق، و ليس وفق أهواء الناس و قناعاتهم الشخصية، لأن القضاء، يفترض فيه الاستقلال و التجرد و لا شأن له بتوجهات أو نوايا الماثل أمامه، أما قضية المثلية، أو “اللواط”، بحسب المتأسلمين الناقمين، فهي قضية سلوك و نشاط بشري مستمر باستمرار الجنس البشري فوق الأرض، و لهذا السبب، لم تقدر التشريعات الأرضية، و لا حتى السماوية،على تحييده أو القضاء عليه، لأنه، و بكل بساطة واقع إنساني موجود في كل المجتمعات البشرية، ولن يزول إلا بزوال الإنسان من على وجه الأرض.
ذ.محمد العطلاتي































