الكاتب: أحمد أعراب
رأيتني هائما في أرض بها أحراش غريبة غير مألوفة ، كثرت شعابها ومسالكها وتقاطعت واختلفت.امشي في مسلك ولا أجد منه مخرجا، انعطف يمينا أو يسارا ، ولا مخرج منه ايضا، أهيم على وجهي كالتائه بدون هدف ولا غاية في ذهني جلية واضحة أسعى وراءها. أمشي في ضوء النهار كما في ظلمة الليل. إذا أضناني المسير ليلا ، استلقيت على ظهري، انظر الى النجوم فوق رأسي، كالفوانيس معلقة في السماء لا يسندها شيء . أسرح بخيالي في ملكوت السماوات والارض، متسائلا ، حائرا .
أدركت بعد زمن ، انني وربما عن غير وعي، كنت أبحث عن قبس نور اهتدي به ، كتلك السفينة التي اشتدت من حولها أهوال البحر، تتقاذفها الأمواج، ضاعت من ربانها البوصلة وارتبكت في ذهنه خارطة المسالك المؤدية الى البر. لفظتني العتمة في فوهة كالهاوية، نسيتُنِي فيها، وأنستني غايتي. أتساءل عني ، اجدني، أنكرتُ ذاتي ، فصرت مبعثرا بين أشياء الوجود من حولي ، وهي تمتص كينونتي، وما عدت أدرك ما أنا وسط ركام أشياء الوجود الملتفة حولي، تطوقني كما تطوق الأغلال عنق عبد يساق الى سوق النخاسة.غريبا أمشي ، كل شيء يحملق في وجهي مستنكرا، الأحجار، الاشجار . التراب الذي امشي فوقه … كل شيء ينظر الي بنظرات أربكت مشيتي ، أتعثر، أسقط ، يلتهمني التراب ، يعصر عظامي قبل ان يرسلني كخرقة بالية ألقي بها مع ماء الغسيل .
انهض بعد زمن ، أمشي صعودا متعثرا ، في اتجاه النجوم، في اتجاه الضوء ، عسانيَ أَجِدُني هناك أو أدرك غايتي. يرتفع المسير، يشتد الصعود، واللهاث يرتفع أكثر فأكثر.أاجثوا على ركبتي. كالحية أزحف على بطني. شيء في الأعلى يسحبني ، يناديني ، انهض لا تسقط. لكنني، كنت منجذبا نحو الاسفل ، أهوي حرا طليقا من غير عناء ، ولا ألم ، خفيفا، تتجاذبني الأهواء، كورقة من أوراق الخريف طوحت بها الريح في أعالي الأجواء ، قبل أن تلقي بها أرضا متى همدت وسكنت. أهيم على وجهي في الأرض ، أمرغ جسدي في التراب ، كذلك الحيوان الذي ضاق ذرعا من الطفيليات التي تعيش فوق جلده تلسع وتلدغ وتمتص دمه، أسعى وراء أشياء ما أن أدركها حتى تختفي كالسراب ، أنتشي فرِحا كطفل صغير يمتص حلمة ثدي أمه، كلما طالت يدي شيئا استهواني ورغبت فيه ، قبل ان يصير مجرد فقاعة من فقاقيع رغوة تعلو زبد الاشياء بعد أن مخضتها الرغبة وشدة الاشتهاء.
أراني انحدر درجات نحو الاسفل في درك سحيق لا قرار له ، كالغريق أتشبث بأي شيء ملقى في طريق انحداري … أتلاشى، تمتصني العتمة ، اختفي الفاقد وعيه من هول السقوط… كجلمود صخر حطه السيل من علٍ ، ارتطم بشيء صلب كأنه الأرض ، افتح عيني ، أعي سقوطي ثم أنهض…
أقف على قدمي ، أمشي ثقيلا ، مثقلا ، يرهقني جسدي ويتثاقل خطوي. كحمار السانية (الناعورة )، أدور وأدور ولا أبرح مكاني في حلقة اختفت فيها علامات الوصول إلى نهاية ما .
وحده ذاك الصوت يطرق أذني ، كالمطرقة على السندان، يذكرني يحذرني : احذر الهاوية ، يقولها ويكررها . يتردد صداه داخلي ، انصت لأتبين مصدره ، لا أجد إلا ذاك الصدى ينهش روحي . أبكي ، ينهمر الدمع غزيرا من عيني ، ولا أراه يجري على خدي . شلال يتدفق عميقا في باطني ، يغمرني ، يُغرق جسدي لتطفو روحي فوق دمعي . انبعث من غرقي، يغمرني الضوء، أفقد إحساسي بجسدي ، أركب سحابة ، تأخذني وأنا أشبَهُ ما أكون بالنائم يسافر بعيدا دون أن يغادر غرفة نومه ولا وسادته التي أسند عليها رأسه. كمركبة فضائية ، تحط بي السحابة فوق أكمة عائمة في جو السماء، لا يسندها شيء، أو على الأصح ، لا أرى أوتادها المنغرسة في السحاب .
أَنتصِب واقفا على قدميَّ ، أخطو بحذر كطفل صغير يكتشف لأول مرة قدرته على الخطو منتصبا بدون سند، يتعثر ويسقط ، يحاول المرة بعد المرة حتى يرتمي بين أحضان أمه الدافئة ، التي تنتظره على بعد خطوات قليلة . انظر إلى الأسفل وقد انقشع السحاب وزالت الغشاوة عن عيني ، نجوم متلألئة تنير دربا طويلا ، صاعدا يشق ركام السحاب ، انتصبت قامتي، خفَّت قدماي وتسارع خطوي ، خلتني طائرا أفرد جناحيه واستسلم للريح تسافر به فوق السحاب .
انتهى الى سمعي صوت طرق على باب بيتي ، تنبهت من رقادي، أسرعت نحو الباب ، فتحته ، لم يكن هناك أحد . فركت عيني بكلتا يدي ، علني أُبعِد عنهما غبش النوم وإذا بالمؤذن يؤذن لصلاة الفجر. خرجت مسرعا بعد أن ألقيت على جسدي عباءة كانت معلقة وراء الباب، عن غير قصد ، سرت في اتجاه جامع الحي ، وإذا بي بين المصلين ، أركع وأسجد ، أتمتم ببعض ما علق بلساني من آيات الذكر الحكيم من أيام المدرسة الابتدائية . أقيمت الصلاة ، انتصب الحاضرون واقفين مستقبلين القبلة. لم ينتبه أحد لوجودي بينهم مما جنبني وخز نظراتهم اللاذعة. أركع إذا ركعوا وأسجد اذا سجدوا وأقوم متى قاموا، وحده كان الإمام يتلوا ، جاهرا بصوته ، وكان مما تنبهت له في تلاوته قوله: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون.
وانا ساجد مع الساجدين، السجدة الأخيرة من صلاة ذلك الفجر، تذكرت أنني لم أتوضأ، وبينما كان المصلون جالسين يتشهدون قبل السلام ، رفعت يدي الى السماء ، اغرورقت عيناي بالدمع ولم أقل شيئا. انفضَّ الناس من حول الإمام غادروا المسجد الى بيوتهم لإكمال نومهم وكنت واحدا منهم ، ركعت وسجدت وأنا من المسلمين ، وربما بقي لي فعل قليل من الخير وذلك ما عزمت عليه، لعل ذلك من تقوى الله.































