يضع الناشط البيئي والباحث في هندسة الساحل، عبد الحميد توفيق قضية الصحنية الحديدية Patella ferruginea في صلب النقاش حول واقع التنوع البيولوجي بالمنتزه الوطني للحسيمة، محذرا من أن هذا الكائن البحري النادر يتعرض لضغوط متزايدة نتيجة الاستغلال العشوائي والاقتلاع المباشر من الصخور.
ويرى الباحث أن ما يحدث للصحنية الحديدية داخل مجال يفترض أنه يحظى بالحماية يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى فعالية المراقبة والتدبير البيئي داخل المنتزه، خصوصا أن الأمر يتعلق بنوع ذي قيمة بيئية وعلمية كبيرة، تقلص نطاق وجوده بشكل لافت في البحر الأبيض المتوسط.
ويشرح عبد الحميد أن الصحنية الحديدية ليست مجرد كائن بحري عادي يمكن تعويضه بسهولة، بل هي من الأنواع المميزة للمنظومات الساحلية المتوسطية، وقد أصبحت توجد في عدد محدود من المواقع، الأمر الذي يجعل المحافظة على التجمعات المتبقية منها ذات أهمية بالغة بالنسبة للباحثين والمهتمين بالتنوع البيولوجي البحري.
ويشير إلى أن وضعية هذا النوع في بعض المناطق المجاورة تكشف وجود مقاربة مختلفة في التعامل معه، مستشهدا بمليلية وسبتة، حيث تخضع تجمعات الصحنية الحديدية لعمليات رصد وقياس وتتبع، تشمل أعدادها وأحجامها وتوزيعها، بما يسمح بتقييم وضعيتها ومراقبة تطورها بمرور الوقت.
في المقابل، يقول الباحث إن المشهد داخل المنتزه الوطني للحسيمة يثير القلق، بعدما أصبحت الصحنية الحديدية، بحسب ما تتم معاينته ميدانيا، عرضة للاقتلاع من الصخور، سواء بغرض الاستهلاك أو لاستعمالها كطعم في الصيد، وأحيانا دون أن يكون واضحا حتى الهدف من اقتلاعها.
ويعتبر أن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في عدد الأفراد التي يتم اقتلاعها، وإنما أيضا في كونها تستهدف نوعا محدود الانتشار، ما يجعل أي ضغط إضافي على تجمعاته المحلية عاملا قد يؤثر في قدرته على الاستمرار والتجدد.
ويؤكد الباحث أن حماية الأنواع البحرية النادرة لا يمكن أن تقوم على إعلان المجال منطقة محمية فقط، وإنما تحتاج إلى مراقبة ميدانية مستمرة، ومعطيات علمية دقيقة، وبرامج للرصد والتتبع، إلى جانب توعية السكان والمهنيين والزوار بالقيمة البيئية لهذه الكائنات.
ومن باب الدقة العلمية، يلفت عبد الحميد توفيق إلى ضرورة التمييز بين الوضع العلمي المعروف للصحنية الحديدية وبين تصنيفها الرسمي على المستوى الدولي، موضحا أن وصفها بأنها من أكثر اللافقاريات البحرية المهددة في المتوسط يستند إلى الأدبيات والدراسات العلمية، في حين أن الحديث عن إدراجها ضمن فئات الخطر القصوى على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة يحتاج إلى تقييم رسمي وفق معايير المنظمة.
ويرى الباحث أن المسؤولية في حماية هذا النوع لا ينبغي أن تختزل في المواطن أو الصياد الذي قد يجهل قيمته البيئية، بل تشمل كذلك المؤسسات المكلفة بتدبير وحماية المجال الطبيعي، وعلى رأسها الوكالة الوطنية للمياه والغابات وإدارة المنتزه، باعتبار أن فعالية الحماية تقاس في نهاية المطاف بما يحدث على الأرض، وليس فقط بما تنص عليه القوانين والبرامج.
ويطرح الباحث سؤالا جوهريا: كيف يمكن الحديث عن منتزه وطني وعن حماية التنوع البيولوجي، في الوقت الذي يمكن فيه اقتلاع أنواع بحرية نادرة من الصخور دون أن يثير ذلك انتباه المراقبة؟
وبالنسبة إليه، فإن الصحنية الحديدية تمثل أكثر من مجرد كائن صغير ملتصق بصخور الساحل، إنها جزء من الذاكرة البيئية للمتوسط، ومؤشر على صحة المنظومات الساحلية، وحمايتها مسؤولية جماعية ومؤسساتية.
ويختصر الباحث موقفه بالقول إن استمرار التعامل مع الموارد الطبيعية بمنطق الاستغلال السريع، من دون اعتبار لقيمتها البيئية والعلمية، قد يجعل الأجيال المقبلة تبحث عن هذه الأنواع في الكتب والصور بدل أن تراها حية على صخور الساحل.
فحين تقتلع الأنواع النادرة من داخل منتزه وطني، فإن السؤال لم يعد فقط: من اقتلعها؟ بل أيضا: أين كانت الحماية؟































