تتجه إسبانيا إلى تعزيز حضورها العسكري داخل المنظومة الدفاعية الأوروبية، بعدما سجلت ميزانيتها العسكرية ارتفاعا لافتا جعلها تدخل للمرة الأولى قائمة أكبر 15 دولة في العالم من حيث الإنفاق على الدفاع. ويأتي هذا التحول في ظرف أمني أوروبي متوتر، فرضته الحرب في أوكرانيا وتداعياتها على حسابات دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الضغوط المتزايدة داخل حلف شمال الأطلسي من أجل رفع مساهمات الدول الأعضاء في القدرات الدفاعية.
وتشير معطيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن النفقات العسكرية الإسبانية بلغت خلال 2025 نحو 40.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 50 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، فيما قدرت بنحو 34.2 مليار يورو وفق المعطيات نفسها. ويعكس هذا الارتفاع تغيرا في مستوى الإنفاق الدفاعي الإسباني، بعدما أصبحت مدريد مطالبة بمجاراة التحولات التي تعرفها السياسة الأمنية الأوروبية، في وقت يواصل فيه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز التحفظ على رفع الإنفاق إلى نسبة 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
ولا تبدو المقارنة مع المغرب محسومة بمجرد وضع الرقمين الإجماليين للميزانيتين العسكرية أمام بعضهما البعض. فاقتصاد إسبانيا أكبر، ما يجعل الإنفاق المطلق مؤشرا مختلفا عن نسبة ما تخصصه الدولة من ثروتها للدفاع. وتظهر بيانات متداولة أن المغرب يوجه نحو 3.5 في المائة من ناتجه الداخلي للدفاع، مقابل حوالي 2 في المائة في إسبانيا، في وقت يقدر فيه عدد أفراد القوات المسلحة المغربية بنحو 200 ألف عسكري، مقابل حوالي 117 ألفا لدى إسبانيا.
أما من زاوية القدرات العسكرية الشاملة، فيضع تصنيف “غلوبال فاير باور” إسبانيا في المرتبة 18 عالميا والمغرب في المرتبة 56. غير أن هذه المراتب لا تعكس حجم الإنفاق وحده، وإنما تستند إلى مجموعة من المعايير تشمل القوات والتجهيزات والقدرات الجوية والبحرية والبرية والجاهزية واللوجستيك والصناعة الدفاعية وغيرها. لذلك لا يمكن تحويل فارق المراتب في التصنيف مباشرة إلى فارق في القوة، كما لا يمكن اعتبار ارتفاع الميزانية الإسبانية دليلا منفردا على تفوق عسكري شامل.
وفي المقابل، يواصل المغرب تطوير قدراته العسكرية من خلال تحديث تجهيزاته وتوسيع التعاون الدفاعي، ولا سيما مع الولايات المتحدة. وشهد شهر غشت 2026 تدشين مركز للتدريب والتجارب متعددة المجالات في منطقة طانطان بشراكة مغربية أميركية، في سياق يعكس تنامي التعاون العسكري بين البلدين. ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار إسبانيا في تعزيز قدراتها داخل الإطار الأطلسي والأوروبي، بما يجعل غرب المتوسط وشمال إفريقيا جزءا من مشهد أمني تتقاطع فيه حسابات الدفاع الأوروبية مع رهانات المنطقة وشراكاتها العسكرية.































