عندما يتواجه الظالمون مع الظالمين فالمظلومون يربحون إمكانية الحد من الظلم إذا أحسنوا استثمار حرب الاستنزاف بين خصومهم..
والأمر له علاقة بالتقاط مكالمات الفاسدين وتوزيعها والثمن الذي سيؤديه اللصوص في زمن الثورة المعلوماتية ليس هو رد المسروق بل أخطر من ذلك المساهمة في قتل السياسة وتحويلها إلى مجال للخبث والوسخ..
لكن قبل ذلك، كيف نتعاطى مع أحداث انكشاف الفساد وخروجه من دهاليز المساومات إلى سطح الرواج العمومي أو شبه العمومي، فالخطير لا يكمن في سلوك بعض الأشخاص الذي حوّلوا الانتداب العمومي إلى ما يشبه القوادة السياسية ، بل في كيفية تعاطي المجتمع المدني مع مفهوم الرقابة الشعبية التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي، فكثير من الناس يتلهفون لتوزيع منشورات وأديوهات وفيديوهات سلبية تحمل فضائح سياسية، جنسية ، أخلاقية الخ ..على الخاص مع الأصدقاء بعض الأحيان دون الحاجة للتأكد من صحة ما يروج.. لكن عندما يتعلق الأمر بخبر جيد فقلما تجد مثل هذا الشغف لدى الموزعين، وهذه هي الشخصية السلبية.
ولكي تعرف هل أنت أو أنا أو أي واحد آخر.. شخصية سلبية أم لا ؟ السيكلوجيا تدعوك للقيام “بتحليلة” بسيطة على نفسك لمعرفة هويتك، هل أنت شخصية سلبية أم إيجابية؟ إذا كنت من الذين يستفيقون في الصباح وتتلهف على البحث عن السلبيات، لأنه بالنسبة لك الأخبار السيئة هي الجيدة، لتوزيعها على نطاق واسع عبر الخاص وعلى أكبر قدر من الناس فأنت بالتأكيد شخصية سلبية عليك بالذهاب إلى الطبيب أو معالجة نفسك بنفسك عبر ردع سلوكاتك السلبية هاته، أما إذا كنت لا تهتم كثيرا بالصور السلبية ولا تكترث بها فأنت بالتأكيد شخصية إيجابية وطموحة ومتوازنة نفسيا.
والمناسبة أن هناك أوديو وتسجيل لحوار يدور بين شخصين يظهر أنهما يتمعنان في البحث عن حصتهما من توزيع كعكة بين مقاولين سياسيين حولوا الشأن العام إلى أصل تجاري للبيع والشراء، وهذا ليس جديدا فكثير من هؤلاء اغتنوا نتيجة المضاربات واستعمال النفوذ للسيطرة على الريع، الجديد فيه هو أن الناس يتلهفون لتوزيع الأوديو بغرض التشفي وإثبات أن الفساد قائم وكأنهم يريدون أن يقولوا لنا أن مكة المكرمة موجودة ، لكن كم عدد هؤلاء الذين فكروا مثلا في استثمار الأوديو من أجل فتح الرقابة الشعبية على التدبير العمومي ومساءلة المتلاعبين بالمال العمومي .. مثلا عرائض تطلب بفتح تحقيق حول ملابسات هذه المضاربات.. والأغرب ما في الأمر هو سكوت المعنيين بالأمر لدرجة أنهم صمتوا صمت القبور ولربما هم بدورهم يتشفون أو هكذا يعتقد من حول التداول الديمقراطي الحر إلى التقاط المعلومات لتسفيه الخصوم ، والحال أن المشهد يدين الجميع.
فنحن نثير تداعيات هذا الأوديو بتحفظ شديد حول صحته والأشخاص المنسوب لهم لأن إثبات الحدث يتطلب استحضار كل إحالاته والشروط التي تمت به والمراد به وهو الكفيل بإنتاج المعرفة بالدليل المقنع، وهذا من صلاحيات جهة أخرى ليس مخول لنا التطاول على اختصاصاتها.
فلابد لهذه السلوكات من ثمن لتأديته، وأكبر ثمن هو تعميق ظاهرة قتل الإرادة الشعبية وتعريض السياسة لنوع الخصاء المجازي ، فالفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي تهمين على تصورات التفكير بالانعكاس حيث حوّل العديد من الصور البشرية إلى ما يشبه لعبة مرايا، لقد صنعنا الآخرين وسرقنا منهم نظرتهم للأمور وردود أفعالهم .. المهم الأنا العميق منعدم.
وعلاقة بالموضوع، بشكل أو بآخر، هناك فيلسوف اسمه ليبنتز قد نظّر بشكل توقعي لعالم التواصل الرقمي، وكان يعتقد أن الواقع يتشكل من الأفراد، ذرات القاعدة التي يسميها المنادا monade وهي مستقلة بشكل مطلق عن بعضها البعض ، لكن هذه الجواهر الذرية متواصلة مع بعضها البعض ، بالنسبة للبينتز فالله هو الضامن لأحسن ربط بين الأفراد من أجل أحسن عالم ممكن، أما اليوم فمن يقوم بالعميات الحسابية والربط والتواصل فهو ما أشار إليه ذات مرة مؤسس الفيسبوك سنة 2017 قائلا ” كنت دائما أؤكد أنه إذا منحت للأفراد حق الكلام وساعدناهم على التواصل فيما بينهم سيكون العالم أفضل من تلقاء نفسه” لكن لا تنسوا أن ما يقوله مؤسس الفيسبوك Mark Zuckerberg له ثمنه وهو المراقبة والتحكم والانمحاء التدريجي لشيء اسمه الحياة الخاصة …
ب.ع































