خالد البوهالي.
بدو أنّ الرياح تجري بما لا تشتهي سفن الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي في صراعه مع روسيا. السياسات التي انتهجها ضدها لم تعطِ أكلها حتى الآن. لذا، سارع إلى الإعلان عن استعداده للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأي صيغة يريدها الأخير من أجل التفاوض معه، لكن السؤال: ما الذي تغير حتى يعلن زيلنسكي هذه الخطوة، وهو الذي ما فتئ يطلق تصريحاتٍ تجافي الواقع، من قبيل أن الجيش الأوكراني قوي وقادر على صدِّ أي هجومٍ روسيٍّ، وما على الشعب الأوكراني إلا الوثوق به ودعمه؟
في حقيقة الأمر، هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها زيلنسكي استعداده للقاء نظيره بوتين، فقد أعلنها في عدة مناسبات، كان آخرها في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، من دون أن تُتَرْجَمَ فعليّاً على أرض الواقع، ربما بسبب عدم جدية تصريحاته، أو الثقة المفرطة بحماية الدول الغربية له، إذا ما نشب صراع عسكري محتمل مع روسيا، وقبول بلاده عضواً في الاتحاد الأوروبي، ومن ثم حلف الشمال الأطلسي.
ويبدو أن دافع زيلنسكي في هذا المسعى ربما يعود إلى عدة أسبابٍ نوردها كالتالي:
– التعامل الحازم للقيادة الروسية مع الوضع في أوكرانيا، من خلال وضع خطوط حمر للغرب، مع حشد القوات المسلحة الروسية على الحدود مع أوكرانيا، وإجراء تجارب على بعض الأسلحة المتطورة وإدخالها إلى الخدمة، زيادة على تصريحات رئيس هيئة أركان حرب القوات الروسية فاليري غيراسيموف بأنَّ القوات النووية الاستراتيجية جاهزة بنسبة 95%، وهي رسالة إلى الغرب بأنَّ روسيا، مثلما تسعى إلى السلام، فهي مستعدة للرد بصرامة، وبكل الوسائل، إذا ما واجهت أعمالاً عدائية، وهو ما شدد عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً.
– حالة الشّعور باليأس والإحباط التي بدأت تنتاب الرئيس الأوكراني من جدوى انضمام بلاده إلى حلف الشمال الأطلسي، وهو الذي ظلّ يقوم بجولاتٍ في أوروبا وأميركا لحشد التأييد لبلاده في هذا الباب، من دون أن يحصل على النتائج المنشودة.
وقد تجلّى في تصريحاته قبل أيام أمام حشدٍ من الدبلوماسيين الأوكرانيين بقوله: “لا يمكننا قبول الفكرة التي تحظى بشعبية كبيرة اليوم حول (انضمام أوكرانيا) إلى الاتحاد الأوروبي خلال 30 عاماً، وإلى الحلف الأطلسي خلال 50 عاماً. هذا يثبط الجميع ويبطئهم”، بحسب وكالة “فرانس برس”.
– أصبح لدى زيلنسكي يقين بأنَّ الغرب لن يتدخّل لمصلحة بلاده في حال اندلاع مواجهةٍ عسكريةٍ شاملةٍ أو جزئيةٍ غير متكافئةٍ مع الروس. وقد أكّد ذلك الرئيس الأميركي جو بايدن، رغم تهديدات الأمين العام لحلف الشمال الأطلسي بدفع روسيا ثمناً باهظاً في حال هجومها على أوكرانيا، لأنَّ ما يهم الغرب هو تحقيق الاستقرار لأوروبا وأميركا.
– إنَّ مسألة انضمام بلاده إلى حلف الناتو تبقى مستبعدة جداً، في ظل تهديدات موسكو باللجوء إلى خيار القوة العسكرية، وانقسام أعضاء الحلف حول هذا الموضوع بين موافقٍ ورافضٍ، كما أنَّ الحلف لن يقبل بدولة غير مستقرةٍ داخليّاً، وهو ما ينص عليه ميثاقه.
كان على زيلنسكي أن يفهم منذ البداية أنَّ الغرب عموماً، والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص، لا يمتثلان لأية نزعة أخلاقيةٍ أو قِيَمِيَةٍ، بمعنى أنَّ الوعود التي يقطعونها سرعان ما يتنصّلون منها، لأن كل المبادئ والقيم تنتفي في دروب السياسة المعقّدة والمصالح المتشابكة بين الدول، إذ إن الواقعية في العلاقات الدولية ترتكز على محددين هما المصلحة والقوة فقط، كما أنّ أميركا لم تعد الطرف الوحيد المهيمن في المسرح الدولي، لأنّ صعود الصين وروسيا جعل الولايات المتحدة تتراجع كقوةٍ مؤثرةٍ وحيدة في بنية النسق الدولي.
لم يتعلّم زيلنسكي الدروس مما جرى في جورجيا في العام 2008، عندما دفع الغربُ الرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكشفيلي إلى الحرب مع روسيا، واعداً إياه بدعم عسكري، فكان أن ضاعت منه جمهورية أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بعد معاركَ طاحنةٍ مع القوات الروسية دامت 5 أيامٍ، والتي ألحقت بقواته هزيمةً نكراءَ.
وما ينطبق على ساكاشفيلي ينطبق على رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان الموالي للغرب، والذي أدار له الأخير ظهر المجن، تاركاً إياه يواجه أذربيجان المدعومة من تركيا والكيان الصهيوني في حرب غير متكافئة، فقد في إثرها مساحات شاسعة من إقليم ناغورنو كاراباخ لمصلحة أذربيجان، وما زالت هناك مناوشاتٌ متقطعةُ تحدث بين الطرفين بين الفينة والأخرى، لكن زيلينسكي عجز عن استيعاب أحداث الجوار القريب، لأن الرجلَ حديثُ العهد بالعمل السياسي، فهو قادم من عالم الفن والمسرح إلى عالم السياسة التي تتطلب من رجل الدولة مواصفاتٍ خاصة يفتقدها.
استنتاجاً لما سبق، يمكن القول إنَّ زيلنسكي ليس أمامه مخرج سوى الجنوحِ إلى الحوار مع زعيم الكرملين لتسوية جميع الخلافات، بما يحفظ مصالح البلدين اللذين تجمعهما أواصر الجوار والانتماء إلى العرق السلافي والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، فهل سيكون زيلنسكي جاداً في نياته هذه المرة؟ لننتظر ونرَ.































