خالد البوهالي
قبل سقوط الاتحاد السوفياتي، قدّم وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر وعوداً شفهية للرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف بعدم التقدّم شرقاً نحو الحدود السوفياتية.
لا يرغب أحد في هذا الكون في الحرب وسفك الدّماء، أو رؤية جثت الجنود ملقاة في سوح الوغى، والأبرياء على قوارع الطرقات، والآلاف من النازحين يفرون إلى أَأْمَنِ الملاذات، خوفاً من سعير حربٍ ليس لهم فيها يد، إلا أنها فرضت عليهم فرضاً. هذا ما يسري على الشعب الأوكراني الذي وجد نفسه في لحظة في أتون حرب لا يد له فيها، بسبب سياسات رئيسه الغر الموالية للغرب.
لا يجد الغرب غضاضةً في افتعال الحروب والأزمات ما دامت تخدم مصالحه، ولو على حساب دول وشعوب بريئة، لأنَّه اسْتَمْرَأَ العيش على دمائهم، وهو ديدنه الذي جُبِلَ عليه منذ قرون، فهو مثل البعوض الَّذي لا يقتات إلا على الدماء البشرية، مع فارق بسيط يتمثّل بأنَّ جميع البشر سواسية لدى أمة البعوض.
وبناءً عليه، لا يتوانى الغرب عن التعامل مع زعماء دول أو معارضين لأنظمة بلادهم، مثل بوريس يلتسين وفولوديمير زيلينسكي وخوان غوايدو، لا يفقهون في أمور السياسة، ولا يملكون رصيداً نضالياً، وثقافتهم محدودة في هذا المجال، حتى يَسْهُلَ عليه السيطرة عليهم وتوجيههم إلى حيث يريد، تحقيقاً لمصلحته.
قبل سقوط الاتحاد السوفياتي، قدّم وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر وعوداً شفهية للرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف بعدم التقدّم شرقاً نحو الحدود السوفياتية، ولكن بعد انهياره تغيَّرت الأمور، وخصوصاً مع مجيء إدارة الرئيس بيل كلينتون، إذ احتدم الجدال بين عدة أطرافٍ بين مؤيدٍ ومعارضٍ ومتحفظٍ، لكن انتصر الفريقُ المؤيدُ في النهاية.
بالفعل، بدأ حلف الناتو عملية التوسع نحو الشرق على مقربة من الحدود الروسية، مستغلاً ضعف الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين الذي انبطح بشكل كلي للغرب وقدم التنازلات الواحدة تلو الأخرى، إلى درجة أن ستروب تالبوت، مساعد وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مادلين أولبرايت، كان يقول ساخراً: “يلتسين موافق على تقديم أي تنازلات، لكن من المهم الآن أن نكون قد حصلنا عليها عند تناول كؤوس الفودكا”.
منذ وصول الرئيس الحالي فلاديمير بوتين إلى الحكم، ما فتئ يُذَكِّر نظراءه الغربيين بالاتفاق الشفهي بين وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر وغورباتشوف، بأنَّ الحلف لن يتقدّم، ولو بوصة واحدة، نحو الشرق، إلا أنَّ الغرب ظلَّ ينكر وجود مثل هذا الاتفاق، إلى أن أفرجت الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً عن وثائق تثبت حقيقة الوعود الأميركية للسوفيات.
قدم الرّوس العديد من المبادرات لحلِّ المعضلة الأمنيَّة، وخصوصاً الرسالة التي وجَّهها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في 15 ديسمبر/كانون الأول 2021، لكن قوبلت كالعادة باختلاق أعذار واهية، من قبيل أنها غير معقولة، رغم أنها في غالب بنودها كانت متوازنة إلى حد بعيد، وهو ما يبيّن مدى سوء نية الغرب في عدم الحوار والإضرار بروسيا.
لم يكن الرئيس زيلينسكي سوى دميةٍ في يد الغرب طيلة الأزمة التي سبقت الحرب، فهو رجل يفتقد الخبرة السياسية لقيادة دولة، وكل ما يقوم به من استفزازات لروسيا يقابَل بالتصفيق والتشجيع من الغرب، ناسياً أنَّ الأخير يدفع عملاءه إلى ما لا تحمد عقباه عندما يصفق لهم.
يبدو أنّ الرئيس زيلينسكي لم يقرأ مقولة الزعيم السوفياتي الراحل نيكيتا خروتشوف، عندما قال في هذا المجال: “عندما يصفّق لي الغرب، أعرف أنَّني اقترفت خطأ فادحاً”، مثلما لم يقرأ مقولة مواطنه الزعيم السوفياتي الراحل ليونيد بريجنيف: “القائد الذي يرى بعيون الآخرين لا يصلح للقيادة”.
اليوم، يقتتل الإخوة الأعداء الأوكرانيون والروس، وهم الذين تجمعهم روابط الدين والعرق والجوار، بينما يقف الغرب متفرجاً شامتاً، ويزيد في صبِّ الزيت على النّار عبر دعم الجيش الأوكراني بالأسلحة والمعدات حتى يقتلوا بعضهم بعضاً، عملاً بمبدأ “let them kill each other”، وهي عقيدة إمبريالية راسخة في ذهنية الغربيين، تجعل الغير يحارب بدلاً منهم، من دون أن يزجّوا جنودهم في الحرب، ويضمن لهم بالتالي تحقيق مكاسب سياسية من دون قطرة دم من جنودهم.
ختاماً، ما يقع الآن في أوكرانيا من معارك هو أمرٌ مؤسف، وكان من الممكن تلافيه لو غَلَّبَ الغرب صوت الحكمة والتعقّل، من خلال فتح حوارٍ جديٍّ مع روسيا يأخذ بعين الاعتبار مصالحها الأمنيّة والجيوسياسيّة، ويجعل العالم أكثر أماناً، لكنه أصم آذانه. وحده الله تعالى يعلم إلى أين ستؤول إليه نتيجة هذه الحرب.































