خالد البوهالي
يبدو أن الحكام الغربيين لم يهضموا بعد الطريقة المهينة التي طُردت بها فرنسا من هذه الدولة الأفريقية، بعد أن عاثت فساداً فيها لسنين طويلة
استدعت الحكومة المالية السفير الإسباني المعتمد لديها لتسليمه رسالة احتجاج على التصريحات التي أدلى بها رئيس الدبلوماسية الإسبانية خوسي مانويل ألباريز عن احتمال تدخل حلف شمال الأطلسي في مالي، والَّذي اعتبرته حكومة الأخيرة، على لسان وزير خارجيتها، خطراً وغير مقبول وغير ودي، لأنه ينطوي على “ميل إلى التشجيع على شن عدوان على بلد سيّد ومستقل”.
من الناحية الدبلوماسية، يحق للحكومة المالية توجيه رسالة احتجاجٍ إلى إسبانيا، لأنَّ هذا التصريح يعد بمنزلة إعلان حرب ضد دولة مستقلة ذات سيادة، ومقدمة لغزو هذا البلد الأفريقي الذي يعاني الكثير من المشاكل على مختلف الصعد، أهمها وجود الجماعات الإرهابية المسلحة التي تنشط في دول الساحل والصحراء، والتي تهدد أمنها واستقرارها.
ويبدو أن الحكام الغربيين لم يهضموا بعد الطريقة المهينة التي طُردت بها فرنسا من هذه الدولة الأفريقية، بعد أن عاثت فساداً فيها لسنين طويلة بسبب الانقلابات العسكرية التي كانت تشجعها. وأحياناً، كانت ترسل قواتها تحت مبررات مختلفة، لكن كان الهدف الرئيسي هو ضمان نهب ثروات مالي ومواردها.
تصريح وزير الخارجية الإسباني ليس تعبيراً شخصياً، ولكنه جزءٌ من نيات غربية تنم عن العقلية الإمبريالية لساسة الغرب في نظرتهم تجاه دول العالم الثالث، وخصوصاً أفريقيا، التي يعتبرون مواردها حقاً مشروعاً يحقّ لهم نهبه متى شاؤوا، من دون حسيب أو رقيب.
ولا غرابة في أن يصدر هذا التصريح عن إسبانيا ذات الماضي الاستعماري الغاشم، الَّذي يبدو أنها ما زالت تحن إليه، والذي ارتكبت خلاله جملة من الفظاعات والجرائم ضد الإنسانية في عدد من البلدان التي غزتها، بدءاً من شمال أفريقيا إلى دول أميركا اللاتينية وغيرها، طمعاً في سرقة ثروات الشعوب والسطو عليها.
علاوةً على ذلك، هذا التصريح يناقض ادعاءات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، الذي زعم في تصريحات سابقة أنَّ استراتيجية الحلف دفاعية فقط، تروم الدفاع عن الدول الأعضاء فيه، إذا ما وقع عدوان مسلح عليها، طبقاً للمادة الخامسة من الميثاق المنشئ له.
في السنوات الأخيرة، بدأ حكام القارة الأفريقية ينتهجون سياسة خارجية جديدة مبنية على تنويع الشركاء. لذا، سارعوا إلى الانعطاف نحو الشرق، وخصوصاً روسيا والصين، من أجل البحث عن شراكات أفضل، بعد أن ضاقوا ذرعاً بالسياسات الغربية المعادية لمصالحهم.
ولعل الدافع الأكبر الذي حدا بحكام القارة الأفريقية إلى التوجه شرقاً، هو السياسة الخارجية التي تتبناها الصين وروسيا، الرامية إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى واحترام سيادتها، فضلاً عن الشراكات المتميزة التي تطرحها الدولتان، ما سمح لهما بمد نفوذهما في القارة السمراء، وجعلهما يزاحمان الدول الغربية في أفريقيا.
لا شكّ في أن الحضور الروسي في مالي أذهب عقل حكومات الدول الغربية، وخصوصاً أنه لقي ترحيباً من الشعب المالي – الذي خرج في تظاهرات عارمة تعبيراً عن فرحته بقدوم الروس – الذي عاش سنيناً من القهر، ونهبت ثرواته، في ظلِّ الهيمنة الفرنسية التي تعتبر مستعمرتها السابقة إحدى حدائقها الخلفية، تفعل فيها ما تشاء، ما جعل أغلب الشعب المالي يرزح تحت خط الفقر المدقع، وجعل أبناءه لاجئين في دول الشمال الأفريقي، يعيشون ظروفاً مزرية، في انتظار أن تُتاح لهم فرصة العبور نحو الفردوس الأوروبي، أملاً في مستقبل يضمن لهم العيش الكريم.
تختزن جمهورية مالي العديد من الثروات الطبيعية، وتعتبر من أهمّ الدول الأفريقيّة إنتاجاً لها، مثل اليورانيوم، والذهب، والفوسفات، والملح، والغرانيت، والكاولين المتمثل بمادة صلصالية نقية بيضاء اللون، والحجر الجيري، والبوكسيت، فضلاً عن بعض المنتجات الزراعية، كالقطن الذي باتت تحتل المرتبة الأولى أفريقياً في إنتاجه، ما جعلها مطمعاً للعديد من القوى الكبرى العالمية، وفي مقدمتها فرنسا.
لذا، إنّ مساعي حلف الناتو الرامية إلى غزو مالي، بعدما تقلّص نفوذ العديد من أعضائه في السنوات الأخيرة لمصلحة روسيا، يهدف إلى مزاحمتها أو إزاحتها، إن أمكن ذلك، رغم أن هذا المسعى يبدو صعب المنال لعدة اعتبارات، أهمها الموقف الاقتصادي والعسكري القوي الذي تميل كفته لمصلحة روسيا الاتحادية في حربها مع أوكرانيا، رغم العقوبات القاسية التي فرضها الغرب عليها، ما يسهل عليها أي مواجهة مع الدول الغربية.
وخير دليل على ذلك القمة الأخيرة التي عقدها الحلف في العاصمة الإسبانية مدريد، والإعلان عن استصدار وثيقة جديدة تدخل في إطار مفهوم استراتيجي للحلف، يروم اعتبار الصين تحدياً جديداً وروسيا خصماً يشكل تهديداً للأمن والاستقرار الغربي، بدلاً من اعتبارها شريكاً، كما كانت في السابق، ما يدل على أنَّ الحلف مصمم على المواجهة مع موسكو، ليس في أوروبا فحسب، بل في كل مكان من العالم أيضاً.
ومن غير المستبعد أن يلجأ الحلف المذكور إلى التدخل العسكري في مالي، تحت شعاراته المعتادة، المتمثلة بإرساء الديمقراطية وإعادة الحكم المدني إلى البلاد بعد الانقلاب العسكري الذي قادته ثلّة من العسكريين الماليين نهاية العام الماضي.
هذه ليست المرة الأولى التي يسعى فيها حلف شمال الأطلسي إلى التدخل العسكري، فقد تدخل عسكرياً في يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي، وكذلك في ليبيا، لإطاحة حكومة العقيد الليبي الراحل معمر القذافي إبان ما سُمي بـ”الربيع العربي”.
في النهاية، نصل إلى استنتاج مفاده أنَّ تلويح الناتو بالتدخل العسكري في مالي، أملته التحولات في مفهومه الاستراتيجي، الرامية إلى المواجهة مع روسيا، وكذلك استعادة النفوذ في هذا البلد الأفريقي، لكن في ظلِّ الموقف الروسي القوي، يبدو أن الأمر سيكون صعباً على قادة الحلف































