أبــــــــو عـــــلــــــــــي
لقد هاجمتنا قوى شعبوية تحت عباءة الثقافة والدفاع عن الهوية الأمازيغية وروجت لمفاهيم لم يجر التنظير لها بشيء من الدقة خلقت تشويشا واسعا وسط بعض النخب الشابة، وكان الغرض من هذه التنظيرات الفارغة هو دغدغة عواطف الناس بسياسة تريد تحقيق كل شيء بالضربات السريعة فانتهى بها المطاف إلى عدم تحقيق أي شيء وربما زادت الوضع تعقيدا كما هو حالنا اليوم في الريف ، وأستغل هذه الذكرى الامازيغية الخالدة ليس من أجل لفت الانتباه ، فلا أحد ينتبه من كثرة تكرار شعارات ، بل للتطرق لمشاكل فكرية ربما قد لا تروق البعض ، ومن بين أبرز الشعارات هو بلاد تمازغا او وطن تمازغا قليل من يعرف أن هذا المفهوم ورد لأول مرة لمصطلح عابر في مقال لأحد المثقفين الامازيغيين ثم انتشر كالنار في الهشيم دون أن يعرف البعض ما المغزى من ذلك صاحب هذا المفهوم، ولا داعي لذكر اسمه احتراما لما تعرض له من قمع ، صاح ذات يوم على الملآ قائلا في مقال له: متى يصادق البرلمان المغربي على شرط إقتان اللغة الامازيغية لتسوية وضعية المهاجرين العرب ” ، وكتب كذلك متى سيتصرف حكام تمازغا من أبناء المهاجرين العرب مثل الرئيس ساركوزي ابن المهاجر المجري ؟ وكتب في مكان آخر مستهزئا هل هناك فرق بين القومية العربية والحركة الصهيونية ، وراح آخر يتلاعب بالكلمات من قبيل هل الأمازيغية ملك للمغاربة أم كل المغاربة ملك للأمازيغية ..وهناك من يدعو إلى أمازيغية المغرب بتغيير نص ديباجة الدستور لكي ينص على أن المغرب دولة أمازيغية ولا يهم طبيعتها ، والغريب في الامر أننا لم نكن نسمع خلال سنوات الرصاص بجرأة هؤلاء يوم كان اليسار يقاتل تحت نيران الرصاص المخزني وضمنه اليسار الراديكالي الذي لم يغفل أهمية الهوية والثقافة الامازيغية بل هناك من دعا إلى اطونوميات المناطق ذات الخصوصية الإثنو ثقافية في أوجه تصاعد القمع ، ويمكن في هذا الصدد أن نعرف ماذا كان يقول بعض المثقفين الامازيغيين حتى وقت قريب ، نذكر على سبيل المثال ميثاق أكادير الذي أعلن الميلاد الرسمي لما يسمى بالحركة الثقافية الامازيغية ، هذا الميثاق جاء بشعار غريب خوفا من القمع وهو التالي : “الوحدة في التنوع ” خوفا من الاتهام بالانفصال ، ويعني الشعار أن” الامازيغية هو مكون للثابت الوحدوي العربي” !
ليس أخطر شيء هو أن تتحول السياسة إلى مجال لإنتاج الهزائم النكراء في ملعب نخوض فيه التباري بالتعاقد بالباطن، كما هو واقع اليوم في ريفنا العزيز، حيث الانسان يتعلم بعد فوات الأوان لا يكاد يتفطن من خبايا لعبة السياسة حتى يكون قد جرفته الهاوية بشكل لا ينفع معه الندم بعد أن يكون قد اضاع كل شيء في ردهات الجدل العقيم ، وتلك هي حال نخبنا التي لا تكاد تخرج من أسطورة حتى تجد نفسها في فخ أساطير وخرافات أخرى .وقد تكون ميزة كل الشعوب التي تستحضر الهوية بنوع من الذاتية الموغلة في مرض الفوبيا من الأخر، فالهوية ليست هي التطابق أو تحصيل حاصل أريسطي كما ينظّر لذلك بعض الشوفينيين القليلي الذكاء، الهوية دائما موجودة بالتفاعل مع الأخر وليست مستقلة عنه، لذلك تنشد المجتمعات الحرة أنظمة للعدالة للعيش المشترك دون عنف وكراهية، أما تلك الهوية المقعدة ديكارتيا بأنا أفكر ” أنا أوجد” وليس أنا موجود، بما هي تعظيم للأنا، فالباحثين في ميدان الفلسفة يعرفون درجة الاهانة التي ألحقت بديكارت من طرف تفكيكية نيتشه الذي أعطى الذريعة للبنيوية لتحويل كل شيء إلى البنية والكلمات والأشياء ، الذي أنقذ الموقف في هذا الصدد هو الفيلسوف الفرنسي بول ريكور الذي انتبه في آخر حياته وفي آخر كتابه إلى ضرورة التمييز بين الأنا والذات، كل شيء يخضع للتغير وليس هناك نواة صلبة لا يلامسها التحول بما فيها اللغة باعتبارها أهم ما في الهوية، هذا السؤال أثير في ندوة النهج الديمقراطي بالحسيمة مؤخرا خلال إحياءه لطقوس السنة الأمازيغية الجديدة، وقلنا في معرض تحليل لنمط المائدة التي يتم استحضارها في هذه الذكرى، بأننا لا نروم اظهار خصوصياتنا بوجه غرائبي حتى أن أحد الرفاق انتبه إلى أهمية ما يسميه بيير بورديو بالأبيتوس HABITUS ، هل لا زال صالحا لتحليل نمط عيش المجموعات أو بصيغة أخرى إلى أي مدى في ظل التحولات المهولة للحياة البشرية عن شيء ثابت كنواة صلبة تتداولها الأجيال دون نسيان الماضي سواء تعلق الأمر بالنظام الغذائي أو الألبسة أو طرق الحديث والكلام والتفكير إلخ. إذا كان الجواب بنعم فإننا أمام الجوهر الأريسطي في التفكير الذي يؤدي إلى معاداة الآخرين باسم العرق وهو مفهوم استعملته الأنظمة الفاشية لتهييج السكان للانخراط بلا هوادة في حروب القتل، ذلك ما لا ينسجم بتاتا مع خصوصيات الشعب الأمازيغي باعتباره شعب متسامح يقبل بالآخر بل ظلت أوطانه ملاذا للفارين من الحروب بما فيه الذين لا ينتمون إلى نفس عقيدته الدينية، لأن الأمازيغ ابتداوا من الوثنية والمسيحية وانتهوا في الاسلام، مما يستلزم القول أن الدين ليس مكون ملازم للهوية حسب التاريخ نفسه، لذلك فأنماط التطرف التي اخترقت بعض المجموعات هي أنماط دخيلة ولا علاقة لها بشعب متسامح ومتعايش مع الأخرين، ولعله أحسن من فهم تلك الحكمة الراقية التي تقول: “لا تفعل مع الآخرين ما لا تريد للآخرين أن يفعلوه معك..”
عود على بدء، فالمشكلة التي يعيشها الريف اليوم هو أنه عانى من حقبة طويلة من التهميش والحصار السياسيين جعلت عدد كبير من الأجيال عاجزة عن التأقلم مع التطورات والمستجدات التي يحفل بها المناخ الدولي و لاسيما في مجال الانتاج العلمي والفكري .فلا غرابة أن نجد، في إطار قلب كل شيء، من يحاول ممارسة الحرب بأدوات سياسية ضعيفة.
كل شيء مقلوب عندنا: يُقرأ الحاضر بالتاريخ حتى صار الأنا موجود بوجود التاريخ.. لقد كان أجدادنا أبطالا وفعلوا اشياء تستحق التنويه وحتى التمجيد لكن بالمقابل من يجيد ويكثر من استعادة الأحداث التاريخية ليس بطلا بالضرورة، بل قد يكون من أجبن الجبناء ويحاول أن يتجلبب بقبعة أخرى، و قد يكون لا شيء إن شئنا التطرف في إلغاء كل شيء .
والوضع السوي هو أن التاريخ يجب أن يقرأ بالحاضر وليس العكس، حتى نفهم بدقة من نحن الآن دون ثقل مسحة الماضي، ودون تنميق وجودنا الهامشي في لعبة أكبر منا، وبدقة أكبر، هل يوجد في “مارميتنا” ، إن جاز التعبير،” marmite”، شيء من الخلق والإبداع في هذا السياق ويجب أن نسائل قوتنا في كل شيء: في الفن والثقافة والاقتصاد والسياسة ..
أزمة النخب بالريف وربما بالمغرب كله، تكمن في شلل مخها وعجزه عن الخلق وبالتالي ظلت مستهلكة للمنجزات التقنية والعلمية ومتوجسة من فقدان مصالحها إن جهرت بالحقيقة.. والغريب أننا لم نلتفت إلى استهلاك المنجزات العلمية بل انزاح عقلنا إلى استهلاك التاريخ المستهلك حد الملل من تكرار أحداث لا ندري أي قيمة بقيت لها باستثناء ما تدره من أرباح على الناشرين وما تلحقه من دغدغة مرضية للوجدان المشاعري والعواطف وسط الشباب المتذمر من بياض الحاضر، بدل تلقينه أدوات ووسائل التغيير الفعلية ..
وعدنا نقول من أين يأتي الابداع والخلق: يأتي بالدرجة الاساسية من المنافسة ومن الارادة على العمل المنظم، لكن كيف تمارس بالضبط : التنافس للتخطي والتجاوز من أجل اللحاق بالآخر كهاجس أساسي ، إذن التنافس يخلق حوافز للتطور ويكون دافعا للخلق … نحن لا نتنافس بهذا المعنى بل بعضنا يتنافس من أجل الالغاء والاستبعاد والقتل الرمزي وهذا هو السبب الذي يجعل أبناء جلدتي يتصارعون دون أن نعرف عن أي شيء يتصارعون .
المسألة الأخرى وهي في غاية الأهمية : التعاون والشراكة كمحرك للإبداع الجماعي ، والتشارك ليس كما تعرفه الجمعيات بأنها تبادل للأفكار بل هي أكثر من ذلك، اقتسام للسلطة .. ربما في الريف كان يتوفر على هذه المميزات النابعة من مجتمع تقليدي ميال إلى التعاون لمواجهة الآخر لكنه صار اليوم مجزءا حتى صار بإمكان تجزيئ الواحد إلى إثنين ..































