قال الأستاذ محمد الأعرج، الوزير الأسبق للثقافة والاتصال، إن القراءة الأولية لمقتضيات مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، تكشف عن ملاحظات جوهرية تتعلق أساسًا باستبعاد المرجعية الدستورية والحقوقية المنصوص عليها في الفصل 28 من الدستور، مقابل تكريس المقاربة الاقتصادية والضبطية، مع إغفال واضح للمقومات الديمقراطية والمؤسساتية التي يتطلبها هذا النوع من التنظيم.
وأوضح الأعرج، في مقاله التحليلي يموقع “الأيام 24” ، أن الحكومة لم تعتمد في إعداد المشروع المعروض على نشر استباقي لمضامينه، كما غابت دراسة الأثر القانونية، وتوصيات اللجنة المؤقتة للصحافة، رغم ما تنص عليه المادة الرابعة من القانون 23.15، بالإضافة إلى عدم احترام المرسوم المنظم لعمل الأمانة العامة للحكومة في مجال وضوح النصوص القانونية وتيسير الولوج إليها.
وأشار إلى أن عنوان المشروع ذاته يفتقر إلى الدقة والوضوح، حيث صيغ تحت عنوان “إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة”، في حين أن الأمر لا يتعلق فقط بإعادة تنظيم فرع داخل قانون قائم، بل بإحداث نص تشريعي مستقل يستلزم رؤية واضحة وشرعية دستورية.
وسجل الأعرج أن النص أغفل التنصيص على تاريخ دخول مقتضياته حيز التطبيق، وأورد في أحكامه الانتقالية مقتضيات فضفاضة، ما يطرح إشكالات على مستوى الأمن القانوني، وهو من المبادئ التي يُفترض أن تحترم في أي عمل تشريعي.
وعلى مستوى المضمون، اعتبر الأعرج أن المشروع تخلى صراحة عن المرجعية الحقوقية في تنظيم قطاع الصحافة، مشيرًا إلى أن “المشرع الدستوري أدرج تنظيم الصحافة ضمن الباب الثاني المرتبط بالحقوق والحريات”، وليس ضمن أبواب التقنين والضبط الاقتصادي. وهو ما يُفترض أن يُفضي إلى إطار قانوني يقوم على الاستقلالية والديمقراطية والتمثيلية، لا على أدوات الضبط الإداري والاقتصادي.
وانتقد الأعرج نظام التصويت الفردي الذي نص عليه المشروع لانتخاب الصحافيين المهنيين، معتبراً أنه لا يكرّس حياة ديمقراطية سليمة، ويُفرغ العملية من بعدها التمثيلي، كما توقف عند التنصيص على “الانتداب بدل الانتخاب” في تمثيلية الناشرين، وهو ما اعتبره مساسًا بالشرعية التمثيلية.
وأشار الأستاذ الأعرج إلى أن مشروع القانون استبعد بشكل غير مبرر مجموعة من الهيئات المستقلة كـ”المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية”، و”جمعية هيئات المحامين بالمغرب”، و”اتحاد كتاب المغرب”، رغم أدوارها الدستورية والثقافية والمهنية، معتبراً أن هذا الإقصاء يُضعف البنية التعددية للمجلس.
وفي ما يتعلق بتكريس البعد الاقتصادي، أشار الأعرج إلى أن المشروع أدرج تمثيلية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في حين أن هذه المؤسسة ذات وظيفة استشارية فقط، مما يطرح تساؤلات حول منطق تغليب التوجه الاقتصادي في مؤسسة مهنية إعلامية.
كما لفت إلى أن تقسيم المقاولات الصحفية إلى فئات حسب رقم معاملاتها لتحديد تمثيليتها داخل المجلس، قد يؤدي إلى هيمنة المؤسسات الكبرى وتهميش الإعلام الجهوي والصغير، وهو ما لا يخدم التنوع الإعلامي.
أما على مستوى العقوبات، فسجل الأعرج أن المشروع وسّع من دائرة الضبط التأديبي عبر تخصيص باب مستقل للتأديب، يتضمن 15 مادة، وأدخل عقوبات جديدة كـ “توقيف إصدار الصحيفة” ونشر العقوبات التأديبية فور صدورها، مع رفع مدة سحب بطاقة الصحفي المهني في حالة العود إلى ثلاث سنوات دون منح المجلس سلطة تقديرية كما كان معمولاً به سابقًا.
وفي ختام تحليله، تساءل الأعرج: “هل بات التشريع اليوم محكومًا بمنطق الضبط والاقتصاد، أم ما تزال تحكمه الحكمة والمرجعيات الدستورية والحقوقية؟”، داعيًا إلى مراجعة شاملة لمضامين المشروع، وفق مقاربة تشاركية تنسجم مع روح الدستور ومرتكزات الدولة الديمقراطية.































