قال الفاعل والمهتم بالشأن السياحي، عبد المالك بوغابة إن الحسيمة، التي يفترض أن تتحول خلال الموسم السياحي إلى واجهة مشرقة للسياحة المغربية، باتت تعيش على إيقاع اختناق غير مسبوق، معتبرا أن تدفق الزوار كشف هشاشة واضحة في المنظومة التنظيمية والخدماتية. وأكد أن المدينة لم تعد قادرة على استيعاب هذا الحجم من الإقبال، بعدما تحولت شوارعها ومرافقها وشواطئها إلى فضاءات مكتظة، في مشهد يهدد بجعل الجاذبية السياحية عبئا بدل أن تكون رافعة للتنمية.
وأوضح يوغابة، الذي راكم تجرية مهنية مهمة في القطاع السياحي، أن فوضى الخدمات وارتفاع الأسعار يضعان الزائر أمام معادلة صعبة، إذ يجد نفسه مطالبا بدفع أثمان مرتفعة مقابل خدمات لا ترقى، في حالات عديدة، إلى مستوى الانتظارات. واعتبر أن المقاهي والمطاعم والفنادق والشقق المعدة للكراء تعكس اختلالا في التوازن بين العرض والطلب، محذرا من أن استغلال ضغط الموسم لتبرير الارتفاع الصاروخي للأسعار يسيء إلى صورة الحسيمة ويقوض الثقة في منتوجها السياحي.
وأشار إلى أن الفوضى تتجاوز المرافق التجارية والسياحية لتحتل الشوارع والأرصفة، حيث يجد الراجلون أنفسهم، بحسب وصفه، أمام واقع يفرض عليهم مزاحمة السيارات في الطريق بعد أن ضاقت الممرات بفعل انتشار الباعة الجائلين و”الفراشة”. وشدد على أن المشهد لم يعد مجرد ازدحام موسمي عابر، بل أصبح مؤشرا على عجز واضح في تدبير الفضاء العمومي، بما يهدد سلامة المواطنين ويحول الحركة داخل المدينة إلى معاناة يومية.
وفي الشواطئ، يرى بوغابة أن الوضع لا يقل سوءا، إذ تحولت المساحات المخصصة للاستجمام إلى مجال تتنازعه المظلات الشمسية “البراصولات” والاستغلال العشوائي، بينما يثير الانتشار الكثيف للدراجات المائية “الجيت سكي” مخاوف مرتبطة بسلامة المصطافين. واعتبر أن البحر، الذي يفترض أن يكون متنفسا آمنا للزوار والساكنة، بات مجالا للفوضى، محذرا من أن غياب الضبط الصارم قد يجعل الاستجمام البحري مصدر خطر بدل أن يكون عنوانا للراحة.
ولفت بوغابة إلى أن ضغط الموسم السياحي امتد إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، حيث أصبحت المحلات التجارية والمخابز تعرف طوابير وانتظارا طويلا للحصول على الحاجيات الأساسية. واعتبر أن بلوغ هذا الضغط مستوى يرهق السكان والزوار معا يكشف محدودية البنية التجارية والخدماتية للمدينة، مؤكدا أن السياحة لا يمكن أن تقاس بعدد الوافدين فقط، وإنما أيضا بقدرة المدينة على توفير شروط العيش الكريم والخدمة اللائقة خلال فترات الذروة.
وحذر بوغابة من أن الضغط بلغ أيضا المنتزه الوطني للحسيمة، الذي وصفه بأنه ثروة طبيعية لا تحتمل التعامل معها بمنطق الاستهلاك السياحي المفتوح. وأكد أن كثافة الأنشطة والزوار، برا وبحرا، تفرض ضغطا متزايدا على المجال البيئي، معتبرا أن الضجيج والحركة البشرية المكثفة يهددان بإزعاج الكائنات البحرية والبرية التي تتخذ من المنطقة ملاذا لها، ما يجعل حماية المنتزه مسؤولية تتجاوز الحسابات السياحية الآنية.
وانتقد كذلك واقع النقل وحركة السير، مشيرا إلى أن الاختناق بلغ الأزقة والأحياء السكنية، في ظل ندرة مواقف السيارات وتزايد الضغط على سيارات الأجرة والمحطات. واعتبر أن وصول الاختناق إلى حد تعذر ولوج السكان إلى منازلهم يكشف حجم الفوضى التي صاحبت الموسم السياحي. وأضاف أن تراكم النفايات وانتشار التسول والتشرد في بعض الفضاءات يزيد من قتامة المشهد، ويمنح الزائر صورة بعيدة عن المدينة السياحية التي يفترض أن تكون الحسيمة نموذجا لها.
وشدد عبد المالك بوغابة على أن المشكلة، في جوهرها، ليست في السياحة ولا في كثافة الإقبال، وإنما في غياب التناسب بين حجم التدفق السياحي والطاقة الاستيعابية لمدينة محدودة المساحة والإمكانات. واعتبر أن استمرار الوضع بهذه الصورة يطرح سؤالا حادا حول الحكامة والمسؤولية، داعيا إلى وقف التعامل مع الموسم السياحي بمنطق التدبير المؤقت وردود الفعل. وخلص إلى أن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم هو، من يتحمل مسؤولية هذه الفوضى، ومن المستفيد فعليا من استمرارها؟






























