صدر عن دار الإحياء للنشر والتوزيع بوجدة خلال هذه السنة (2025) العمل الروائي الجديد للكاتب عبد القادر لمغاري بعنوان “دفاتر أستاذ – Cahiers d’un prof”، وهو إصدار يضيف لبنة جديدة إلى المشروع الأدبي للكاتب الذي عرف من قبل بإصدارات تمزج بين الذاكرة الفردية والهمّ الإنساني. وفي هذا الكتاب، يواصل لمغاري اشتغاله على اليومي والهامشي، عبر مقاربة هادئة وعميقة لتجربة التدريس في المغرب، وإعادة طرح أسئلة الهوية والاندماج والمسافة بين المثال والواقع.
في هذا العمل، يعتمد الكاتب تقنية الدفاتر أو المذكرات، ليقرب القارئ من عالم أستاذ شاب يجد نفسه لأول مرة أمام واقع مهني وجغرافي لم يكن يتوقعه. فالبطل الذي تخرج من مركز تكوين الأساتذة بوجدة محملًا بالحماس والطموح، ينتقل إلى مدينة الحسيمة في أول تعيين له، ليكتشف اختلافات ثقافية واجتماعية تعيد تشكيل نظرته للمهنة ولذاته. ويستثمر السرد اليومي والتجارب الصغيرة ليعكس تحديات المدرسة العمومية، لا من منظور إحصائي أو تقريري، بل من خلال لحظات إنسانية دقيقة ولغة قريبة من التجربة.
وتتقدم الرواية بخيطين متوازيين، الأول يروي مسار التكيف والانخراط في المحيط الجديد، والثاني يفتح باب التأمل في علاقة الأستاذ بالتلاميذ وزملائه وبالمدينة التي يستقبلها أول مرة. وبين المشهدين، يتيح الكاتب مساحة لمشاعر الاغتراب والحنين والدهشة التي ترافق خطوات البطل في بناء هويته المهنية. وإلى جانب سرد التحديات، تكشف الرواية أيضا عن ومضات الأمل والعلاقات التي تنشأ داخل الفضاء المدرسي، مما يمنح السرد توازنًا بين الصعوبة والإنسانية.
ويمتاز أسلوب لمغاري في هذا العمل بالبساطة المشبعة بالصور، وبالقدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تمنح التجربة صدقها. فـ “دفاتر أستاذ” ليست فقط حكاية عن مهنة، بل عن رحلة داخل الذات، وعن قدرة الإنسان على إعادة تشكيل أحلامه حين يصطدم بالواقع. بذلك، يقدم الكاتب نصًا يفتح نافذة على عالم الأساتذة الشباب، وعلى ما يعيشونه من صعوبات وأحلام معلّقة، في لحظة تتقاطع فيها التجارب الشخصية مع أسئلة المدرسة المغربية اليوم.
ويأتي هذا الإصدار ليعزز مسار عبد القادر لمغاري، إلى جانب أعماله السابقة مثل «Chronique d’un village oublié» و«Éloge de l’errance»، التي انشغل فيها بالذاكرة والسفر والقرى المنسية. ومع “دفاتر أستاذ”، يتجه الكاتب نحو فضاء آخر من الواقع، لكنه يظل وفيّا لأسلوبه الهادئ وقدرته على جعل اليومي مادة روائية ممتعة وقابلة للتأمل. إنها رواية تقترح قراءة جديدة لعالم التدريس، وتمنح صوتا لجيل كامل يحمل الحلم ويواجه تعقيدات الميدان.































