قاد أكبر عملية إنقاذ بالحسيمة وقام بحماية حزام الفوسفاط بالصحراء المغربية
حين تقرأ أو تستمع إلى سيرة المرحوم الحاج العربي الحمومي، تدرك أن الأمر لا يتعلق بقائد عسكري في صفوف البحرية الملكية، بل تكون أمام قصة رجل اختار أن يجعل من العمل والاجتهاد والجرأة والشجاعة والتكوين المستمر مدخلا لحياته. قصة مواطن حمل في قلبه عشق هذا الوطن الذي دافع عنه بحرا وبرا، لمدة قاربت 40 سنة، وفي روحه التزام بالواجب ليصير نموذجا لقائد صاغته التجربة وصقلته المهنة وأغنته القيم. وفاؤه لواجبه المهني وحرصه على خدمة جنوده وتكوينهم عسكريا، جعلاه محبوبا لدى الحسيميين الذين يشهدون على فترة مميزة تولى فيها المسؤولية قائدا للفوج الأول للبحرية الملكية بمدينة الحسيمة وبعدها للحامية العسكرية بالمنطقة نفسها.
أطلق المرحوم الكولونيل ماجور الحاج العربي الحمومي صرخته الأولى في 1942 بدوار ” الروف ” بجماعة سيدي المخفي بإقليم تاونات. بعد نيله الشهادة الابتدائية واصل دراسته الإعدادية ثم الثانوية بفاس، قبل التحاقه بالأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس في 1965، حيث تخرج منها ملازما بعد سنتين من الدراسة والتداريب الميدانية. مباشرة بعد ذلك التحق بالفوج الأول للبحرية الملكية الذي تم إحداثه خلال 1966 بالحسيمة. تلقى مجموعة من التداريب في تكوين قوات العمليات الخاصة للقيام بالغارات وتنفيذ المهام خلف خطوط العدو ” كومندو “، ما أهله للمشاركة في تجريدة عسكرية مغربية إلى الجولان السورية خلال الحرب العربية الإسرائيلية أكتوبر 1973، وفي تجريدة ثانية إلى جمهورية زايير التي تحمل اسم “شابا2” سنة 1976 بطلب من الرئيس موبوتو في إطار تحالف دولي لدعمه ضد المتمردين الكاتنغيين. عين المرحوم الحمومي بعد هذه الفترة قائدا لقيادة الفوج الثاني للبحرية الملكية بالعيون، وكان أول قائد مكلف بحراسة الشواطئ وحماية حزام الفوسفاط الذي كان يهدده مرتزقة “بوليزاريو” بتمزيقه. عمل قائدا ثانيا للمدرسة الملكية البحرية بالبيضاء، ثم بالقطاع البحري بأكادير، والتحق بالمدرسة العليا للحرب بالولايات المتحدة الأمريكية التي خضع فيها لمجموعة من التداريب، قبل تعيينه قائدا للفوج الأول للبحرية الملكية بالحسيمة في الفترة الممتدة من 1995 إلى 1998، ثم قائدا للحامية العسكرية برتبة كولونيل ماجور. وتوفي الحاج العربي الحمومي بمدينة الرباط في 19 مارس 2024.
خصال رجل
يشهد العديد من المواطنين الذين عايشوا الفترة التي كان فيها المرحوم الحمومي قائدا للحامية العسكرية بالحسيمة خلفا للحاج أومغاري عمار، بقدرته العالية وكفاءته التواصلية، حيث وجد فيه السكان وكذا جنود البحرية الملكية مسؤولا ذا خصال مهنية عالية وقيم إنسانية رفيعة. فهو إلى جانب إنسانيته الراقية، كان يمتاز بالكفاءة والمسؤولية والإخلاص والانضباط والحزم وبالعمل الدؤوب. كان لا يبخل على الجنود في تقديم المساعدة، وترك بصمات الضحك والنكت وسط أصدقائه ومعارفه. كل من تسأله عن الحاج الحمومي يجيبك بأنه كان مرحا وبشوشا، ويحكي دائما نكتا، سيما في بعض الجلسات التي تجمعه بأصدقائه. وشكل الحاج الحمومي صلة وصل بين المدنيين والعسكريين ورجال السلطة، وكان يأمر جنوده الذين كانوا يتحدرون من مناطق مختلفة، باحترام المواطنين، غير أنه لم يكن يتدخل في شؤون المواطنين الذين يلجؤون إليه لحل بعض المشاكل العائلية، بل يطالبهم باللجوء إلى الجهات المختصة، إذ كان ملتزما بجوهر عمله، أخلص له وأحبه فكان ناجحا متفوقا فيه، ماجعله ينال 12 وساما.
قائد أكبر عملية إنقاذ
يتذكر العديد من سكان الحسيمة، عملية إنقاذ شاب علق بجبل ” موروبييخو ” المطل على شاطئ كيمادو، قامت بها مجموعة من رجال البحرية الملكية بداية سبعينات القرن الماضي، تحت إشراف المرحوم الحاج الحمومي. وكان الشاب العالق المتحدر من الحسيمة تسلق الجبل للبحث عن الحمام وصغاره وعند تقدمه إلى نقطة صعبة وجد نفسه غير قادر على استكمال عملية التسلق ولا هو قادر على الهبوط، فأخذ يصرخ بشدة ماجعل بعض المواطنين يكتشفون أمره، حيث ربطوا الاتصال بالسلطات وعناصر الوقاية المدنية التي لم تتمكن من إنقاذه بسبب قلة وسائلها. واستنجدت السلطات بالبحرية الملكية، حيث جند الحاج الحمومي فرقة عسكرية تتكون من أفراد لهم الخبرة في رياضة تسلق الجبال مستعينين بقارب مطاطي وبحبال فقاموا بعملية إنزال الشاب بعدما ظل عالقا بالجبل أزيد من 15 ساعة.
القائد المحب للانضباط
عرف عن الحاج العربي الحمومي حبه للانضباط، حيث أصبحت عناصر البحرية الملكية بالحسيمة في عهده منضبطة، إذ أنها لم تعد تتعامل مع المواطنين كما كانت في نهاية الستينات وبداية السبعينات، بل أن كل عنصر سجلت عنه تجاوزات أواعتداءات على المواطنين في الشارع العام يتعرض لعقوبات تأديبية. كان المرحوم صارما مع جنوده مقتفيا في ذلك أثر سابقه الكولونيل عمار أومغاري سليل منطقة الريف. حتى داخل الملعب البلدي بالحسيمة حين يستضيف فريق البحرية الملكية فريقا آخر في إطار البطولة العسكرية، كان الجنود الذين يحضرون للملعب لتشجيع فريقهم يحترمون خصوصيات المنطقة ولايتجاوزون ماهو معمول به داخل الملاعب. ويحكى عن المرحوم أنه كان يرفض الحديث عن مشاركته في حرب أكتوبر 1973 وكذا في التجريدة العسكرية ” شابا 2″ التي توجهت إلى جمهورية زايير وذلك حين كان يسأله أبناؤه.
جمال الفكيكي





























