محمد لمعيز
عرف الريف، منذ عقود، حركية موسيقية لافتة، أفرزت فرقًا شبابية تحمل هم التعبير الفني وتسعى لإيجاد مكانها وسط واقع ثقافي محدود الإمكانيات. ومع ذلك، يلاحظ المتتبع لمسار هذه الفرق ظاهرة متكررة تكاد تكون مشتركة بينها جميعًا: التفرّق قبل اكتمال التأسيس أو في بدايات التجربة، وكأن الاستمرارية ظلّت حلمًا مؤجلًا في المشهد الموسيقي المحلي. تتعدد أسباب اختفاء الفرق الموسيقية بين غياب فضاءات الاحتضان، ضعف الدعم المؤسسي، ومحدودية فرص العرض والترويج، إلا أن العامل الأبرز يبقى الهجرة. فالعديد من الطاقات الفنية الشابة اضطرت لمغادرة الوطن بحثًا عن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، على حساب مشاريعها الفنية الجماعية. الهجرة لا تفكك الأجساد فحسب، بل تُربك الإيقاع الجماعي، وتفقد الفرق توازنها، إذ يصبح استمرار التدريبات والإنتاج المشترك أمرًا شبه مستحيل، خصوصًا في ظل غياب تنظيم قوي يحمي المشروع الفني من التشتت ويمنحه الفرصة للنمو والاستمرارية.
الهجرة وتأثيرها على استمرار الفرق الموسيقية في الريف
لقد أثرت الهجرة بشكل كبير على أغلب الفرق الموسيقية في الريف، حيث أصبح من الصعب على الشباب الحفاظ على تواصلهم الفني والتزامهم بالبروفات المنتظمة والمشاريع المشتركة. غياب الدعم المؤسسي وقلة فرص الترويج يجعل استمرار أي مشروع موسيقي أمرًا صعبًا، خاصة في بيئة تتطلب صبرًا طويلًا ومثابرة جماعية. فمع تفتت الأعضاء أو انتقالهم إلى الخارج، تفقد الفرق روحها الجماعية ويصعب عليها إنتاج أعمال متناسقة ومستقرة، ما يؤدي غالبًا إلى اختفاء بعض الفرق بعد سنوات قليلة من تأسيسها. هذا الواقع جعل من الهجرة تحديًا مركزيًا أمام تطوير المشهد الموسيقي في الريف، وأظهر الحاجة إلى استراتيجيات واضحة لدعم الشباب وتمكينهم من الحفاظ على مشاريعهم الفنية.
سيفاكس باند… نموذج للصمود والابداع في ظروف صعبة
وسط هذا الواقع، برزت فرقة سيفاكس باند كحالة استثنائية في المشهد الموسيقي الريفي. رغم التباعد الجغرافي وتحديات الهجرة، تمكنت الفرقة من الاستمرار في إنتاج أعمالها الموسيقية من الخارج، متجاوزة الصعوبات التي تواجه الفرق المحلية. تأسست الفرقة في الريف على يد مجموعة من الأصدقاء جمعهم شغف الفن والموسيقى، ومن بينهم صاحب الحنجرة الذهبية طارق فريح وعازفو الجيتار سعد الدين التعربتي وخليل راشدي، الذين يُعدّون من ألمع المواهب في تاريخ الموسيقى الريفية. أعيد إحياء الفرقة في أوروبا لتواصل رحلتها الفنية بثبات وإصرار، مؤكدة أن الشغف والعزيمة قادران على صون المشروع الفني رغم كل التحديات. لقد نجحت الفرقة في تحويل الحواجز المادية والجغرافية إلى حافز للإبداع، لتصبح نموذجًا حيًا للصمود والابتكار في مواجهة أصعب الظروف.
الموسيقى بين التراث الأمازيغي والتجديد العصري
تجمع سيفاكس باند بين الأصالة والحداثة، حيث صيغ صوتها من الهوية الأمازيغية للريف وامتزج بالحيوية الحديثة، ما منحها طابعًا فريدًا يميزها عن باقي الفرق. تدمج الفرقة الآلات التقليدية مثل “ادجون”، “الرباب” و”الغمبري” مع الآلات الحديثة مثل “الغيتار الكهربائي”، “الباس” و”الكمان”، لتخلق عالمًا موسيقيًا متكاملًا يمزج بين التراث والقوة والإحساس. هذا المزج بين القديم والحديث جعل موسيقاها تجربة حية مليئة بالعاطفة والحيوية، تنقل المستمع بين الماضي والحاضر، وتؤكد قدرة الفن على تجاوز الحدود الجغرافية والزمنية. من الريف إلى بروكسل، تحمل الفرقة ثقافتها بفخر، مقدمة موسيقى تجمع بين أصالة المكان وحداثة العالم، مع استمرارها في تطوير مشروع موسيقي ينبض بالإبداع.
تجربة سيفاكس باند ليست مجرد نجاح فني، بل درس في التنظيم، وضوح الرؤية، والقدرة على التكيف مع تحديات الهجرة. بين فرق وُلدت لتختفي سريعًا وفرق لم تُمنح فرصة الاكتمال، تظل سيفاكس باند نموذجًا حيًا على أن الاستثناء ممكن، وأن الفن، حين يمتلك إيمان أصحابه، قادر على عبور الحدود وكسر القواعد، والاستمرار رغم المستحيل. كما تطرح تجربة الفرقة أسئلة مهمة حول مسؤولية المؤسسات الثقافية في دعم المواهب المحلية وتمكينها من الصمود، لتستمر الحكاية الموسيقية الريفية على نحو يليق بتاريخها وهويتها.





























