أعطى الكثير لمهنة القضاء بالحسيمة وكان همه تحقيق العدل والصلح بين المتقاضين
36 سنة من العمل القضائي، هو رصيد القاضي المتقاعد العاقل الفاسي، الذي استطاع أن يقيم تاريخا مشرفا في المهنة، بداية من تعيينه قاضيا بابتدائية الحسيمة سنة 1983، والتحاقه بشعبة التوثيق ثم الأحوال الشخصية، مرورا بشعبة السير والجنحي التلبسي، ثم نائبا في غرفة الجنايات الابتدائية ونائبا عن قاضي التحقيق باستئنافية الحسيمة، وانتهاء بمحكمة الأسرة التي تقاعد منها سنة 2019. الحنكة في العمل والتفاني جعلاه محط احترام وتقدير، وزادته طيبوبته مكانة لدى الجميع، وكان النصح والمساعدة هما سلاحه في التعامل مع الملفات التي كانت تروج بمحكمة الأسرة بالحسيمة المرتبطة خاصة بالطلاق.
أطلق الأستاذ العاقل الفاسي صرخته الأولى بدوار زاوية سيدي عيسي التابع لجماعة إمرابطن ( تماسينت ) سنة 1954. التحق سنة 1963 بمدرسة ابتدائية تابعة للتعليم الأصيل ببلدة تماسينت، وانتقل منها سنة 1963 إلى ثانوية المعهد الديني بمدينة الحسيمة حيث درس بها ست سنوات، ذلك المشتل الذي أنبت أطرا وكفاءات عليا تولت مناصب مهمة ببلادنا، ودرس بها القسم الإعدادي وكذا السنة الرابعة ثانوي، فتحول بعد ذلك رفقة مجموعة من التلاميذ إلى ثانوية القاضي بن العربي بتطوان التي كانت تسمى كلية المدافع، لمتابعة دراسته الثانوية، حيث أخذ نصيبه من معاني القرآن ودرجات الحديث بأسانيده والتفسير والأصول والفقه والنحو وألفية ابن مالك والأدب. وبعد نجاحه في الباكلوريا سنة 1975 التحق بكلية الحقوق بجامعة محمد بن عبد الله بفاس ونال الإجازة في العلوم القانونية سنة 1978، لينتقل بعد ذلك إلى مدينة الرباط لمتابعة دراسته في السلك الثالث بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس، غيرأنه توقف عن الدراسة ليلتحق بالمعهد العالي للقضاء سنة 1979، حيث تخرج منه قاضيا نائبا، قبل ترسيمه بعد قضائه 14 شهرا متدربا بالمحكمة الابتدائية بالحسيمة. كانت بدايته سنة 1983 قاضيا بمركز تارجيست الذي كان ينتقل إليه كل أربعاء بعدما كان يشتغل باقي أيام الأسبوع بابتدائية الحسيمة. مر العاقل الفاسي من جميع الشعب بمحكمتي الحسيمة، حيث عمل قاضيا للأسرة سنة 1987، ثم في شعبة التوثيق والأحوال الشخصية والسير والجنحي التلبسي. كما كان ينوب عن رئيس غرفة الجنايات وقاضي التحقيق باستئنافية الحسيمة، إلى أن تقاعد عن العمل سنة 2019 بعد أربع سنوات من التمديد وذلك بطلب منه.
حزم وتواضع
كان رجل شعبة التوثيق وشؤون القاصرين ومحكمة الأسرة بالحسيمة بامتياز حريصا على مبادئ الوقار والشرف، وحريصا كذلك على أن تبقى سمعة القضاء بهذه المحكمة طيبة لاتحركها الأهواء ولاتنحرف بها عن جادة الصواب. لم تكن للأستاذ العاقل أي هواية سوى العمل ثم العمل لتحقيق العدل، أحكامه وقرارته شاهدة حسب ممن اشتغلوا معه على ذلك سواء من حيث الكم أوالكيف. ورغم أن مهمته تتيح له قضاء أغلب وقته داخل مكتبه، إلا أن العاقل الفاسي كان معروفا بحركيته الدائمة، والاستماع إلى المرتفقين وتقديم التوجيهات القانونية للجميع، فاتحا صدره للجميع بكل تواضع، مبتعدا عن الصورة النمطية التي يحملها الكثير عن القضاة، حيث كان إنسانا أولا وقاضيا ثانيا، خاصة وأنه سليل المنطقة، ويقطن حيا شعبيا، يؤدي صلواته بمسجد محمد الخامس، ويجالس أصدقاءه في المقهى، كما بقي مرتبطا بمسقط رأسه زاوية سيدي عيسى الذي يزوره من حين لآخر يستنشق هواءه النقي. ومازال يحتفظ الأستاذ العاقل بامتنان عميق لمرحلته الدراسية بالمعهد الديني بالحسيمة، حيث غرس الأساتذة والأطر الإدارية والتربوية وعلى رأسهم مدير الثانوية المرحوم بوشعيب والأستاذ المرحوم السي ميمون وغيرهم، بذورا أعطت ثمارها في مساره.
حكيم محكمة الأسرة
أدى الأستاذ العاقل الفاسي مهمته قاضيا للأسرة بنجاح، بعدما اكتسب تجربة ناجحة قاضيا بالمحكمة الابتدائية بالحسيمة. كان يتريث كثيرا قبل إصدار قراراته في شأن بعض الحالات والملفات المرتبطة بالطلاق بين الزوجين. كان يقترح دائما على المتخاصمين عملية الصلح بينهما ويمنح لهما الوقت الكافي لذلك، تجنبا لما يمكن أن ينعكس على أبنائهما وأسرتهما. يحكي الأستاذ العاقل على أنه في بعض الحالات تحدو الزوجين الرغبة في الصلح، لكن ذلك يصطدم بأحد أفراد عائلة الزوجة الذي يرفض ذلك، كما حدث مرة مع حالة امرأة رفضت التطليق من زوجها غير أن أباها أصر على ذلك. ويضيف الأستاذ العاقل أنه كان يبادر في بعض الأحيان إلى اختيار شخصين من أجل التوسط بين الزوجين المتخاصمين، حيث يقترحان على الأخيرين حلولا مختلفة لتسوية نزاعهما، غير أن ذلك غالبا مايأتي بنتائج معاكسة. يشهد له الجميع بقدرته العالية على الإنصات للمتقاضين وكفاءته التواصلية وخاصية الإقناع. كان يواجه المتعنتين والمصرين على الطلاق بفصول قانونية أوبعبارات يؤكد من خلالها تداعيات وانعكاسات الطلاق على الأسر وعواقبه. قال في حقه أحد زملائه السابقين في المهنة ” الأستاذ العاقل إلى جانب إنسانيته يمتاز بالمسؤولية والإخلاص والانضباط والحزم، كشف خلال مساره المهني عن التزامه العميق وقدم خلالها خدمات جليلة للأسر الريفية، وحال دون تشتت العديد من الأسر.”
جمال الفكيكي





























