جمال الكتابي
أ. مقدمة:
أود أن أقتسم معكم، قبل نهاية 2025، ملخصا لتقرير بعيون مراسل حربي إسباني رافق القوات الإسبانية من مليلية إلى الحسيمة للمشاركة في الإنزال، الذي مر عليه اليوم 100 سنة. البواخر التي حملت الجنود إلى الحسيمة من مليلية رافقتها بواخر أخرى تحمل الماشية لذبحها وتقديمها على شكل وجبات لجنود التحالف. ربما لم تكن هذه البواخر تتوفر على الثلاجات وآلات التبريد بعد.
المراسل كان يرسل تقارير من عين المكان لفائدة صحف كتالونيا. اطلعت على جزء من مراسلاته أثناء زيارتي لمليلية الصيف الماضي. سأركز هنا بإيجاز فقط على المراسلات المخصصة لاحتلال أجدير والانفاق والنهب…
المراسل خصص ثلاثة أو أربعة حلقات لهذا الموضوع، ما بين 2 و 4 أكتوبر 1925، والتي يصف من خلالها الوضع بين صباديا (مكان الإنزال) وأجدير العاصمة. الصحفي قطع هذه المسافة مشيا على الأقدام برفقة بعض الجنود من كتيبة الهندسة. فرغم أن المسافة بين أجدير والحسيمة لا تتجاوز 15 كلم على الأكثر، وصلوا إلى مقر قيادة عبد الكريم قبل الغروب بقليل. هذا التعثر كان سببه الألغام وأمور أخرى سأتحدث عنها في هذه المقالة.
الصحفي كان دقيق الملاحظة والتوصيف وكان يتوقف عند كل تفصيل. انتبه لأمور لم تكتشفها بعض الكتابات حول حرب الريف. الأمر مفهوم إلى حد ما، لأن الكتابات عن الإنزال قليلة جدا من جهة الجانب المغربي.
ب. رحلة إلى أجدير يوم السقوط: 2 أكتوبر 1925.
يقول المراسل “خوان غارسيا” عندما نزلنا، أنا وعازف القيثار، من الباخرة إلى الشاطئ، بعد الانزال، كان الرصاص يلعلع في كل مكان حتى اعتقد مرافقي أنها زقزقة العصافير. إنها أصوات الرصاص أخبره جندي مضطرب. ليس بعيدا عنا لمحت الجنيرال بيرينغير مصاب في ساقه ويعالجونه من الإصابة”.
أول ما لاحظه المراسل “خوان غارسيا” وهو يتسلق مرتفعات صباديا نحو الأعلى مشاهدته بعض نعال المقاتلين المصنوعة من الحلفاء والدوم والتي التقط بعضها أحد الجنود، ربما للاحتفاظ بها للذكرى.
عند مرورهم من أعالي شاطئ كيمادو شاهد البواخر الإسبانية تنزل عشرات الخيول إلى البر لاستعمالها في التنقل وملاحقة المقاومين في الجبال، كما شاهد خيما تنصب في المنحدر حيث يؤسس الكابتن “مورينو غيرا” قيادته البحرية، وبجانبها خيمة أخرى حيث يقوم ضابط من فيلق التليغراف بتجهيز محطة التليغراف التي ستربط هذا الشاطئ بالجزيرة (يقصد جزيرة النكور) في غضون ساعات قليلة، ومن هنا، عبر مليلية بالعالم أجمع، يقول.

سقوط طائرة محملة بالقنابل
قبل أن يتابعوا المسير انتبهوا إلى نزول/ سقوط طائرة حربية في البحر ليس ببعيد عن شاطئ كيمادو، والتي كان على متنها طاقم يتكون من خمسة أفراد أحدهم من العملاء إسمه أحمدي وطيار وميكانيكي واثنان من رمات القنابل. لقد نجوا كلهم بعد إسعاهفهم مع وجود كسور. الطائرة كانت قادمة من قاعدة عسكرية من فاس، وأصيب محركها بعطب فوق منطقة البيبان المحاذية للمنطقة الفرنسية على الجبهة الجنوبية، يقول. لكن ربما ألحقتها نيران المقاومة. الطائرة كانت حمولتها قنابل ومتجهة الى الحسيمة لإفراغها في إطار إنزال الحسيمة دائما. الطيار تفادى النزول الاضطراري كما يبدو في مناطق سيطرة المقاومة حتى لا يقعوا في الأسر. يبدو أن الطيار يتوفر على تجربة وتكوين عالي. ويبدو من خلال عدة قصاصات صادفتها أن جل الطيارين المشاركين في حرب الريف كانوا على درجة عالية من التكوين والتجربة.
وهم في طريقهم إلى أعالي مرموشة شاهد نزول طائرتين على يمين “ثارا نعمار” يقول، أي ربما في المنطقة التي يوجد فيها مستشفى محمد الخامس حاليا. وخاصة أن الطائرتين أحدثتا سحابة من الرمال، يقول، وعادتا للتو إلى مليلية. يبدو أن هذا النوع من الطائرات لا تحتاج إلى مدرج خاص في الهبوط والإقلاع. أما “ثارا نعمار” فإنها تقع ما وراء جبل بوجيبار (حسب صديقنا الباحث عبد الحميد الرايس الذي هاتفته في الموضوع)، لأن المراسل الإسباني استعمل كلمة ” تارامارا”. ولأن المكان ورد مرارا في إحدى مراسلاته اضطررت للبحث عن المدلول الصحيح لإسم المكان.
مدافع وأنفاق عبد الكريم
وقبل أن يمروا على ثارا نعمار في اتجاه دار السلوم ثم أجدير، شاهد على هذه القمم المطلة على الساحل 16 مدفعا متخلى عنهم مع ما يقارب 2000 قذيفة. كما صادف العديد من الأنفاق، وداخل إحداها لا يزال هناك حوالي 180 قذيفة فرنسية الصنع من عيار 75 ملم، شديدة الانفجار صُنعت عام 1923، يقول. إحدى هذه الأنفاق اتخذها حينها عبد الكريم مقر القيادة والتي أشرنا إليه سابقا خلال الندوة حول الإنزال
على ذكر هذه الأنفاق صادف المراسل في طريقه عدة أنفاق طويلة. زاروا بعضها والموجودة تحت قمة ثارا نعمار. يقول.
لقد بناها المقاتلون باحترافبة عالية مع وجود عوارض من الخشب الصلب داخلها لتافدي انجراف التربة داخلها. النفق على شكل لولبي وبعمق 100 متر داخل التل، يتكون من عدة أروقة وله أكثر من مدخل، كما يتوفر على ثقوب للتهوية. يقول أن هذا النفق كان مخصصا لحماية المدنيين، النساء والأطفال والمسنين خاصة، من القصف ووجدو داخله بعض الأواني من الفخار المكسورة والقش وبقايا الشموع. وليس بعيدا عن هذا النفق يوجد نفق آخر على عمق 25 متر داخل التل بمدخلين كذلك، وجدوا داخله بقايا الخرطوش وبعض أواني الفخار، ويبدو أنه كان يستعمل للقتال.
لن أمر إلى مرحلة أخرى من مسار هذه الرحلة دون تسجيل الملاحظة التالية:
ما وثقه هذا المراسل الحربي يعتبر سابقة، وسنكتشف معه أن المقاومة استعملت الأنفاق على نطاق واسع سواء للاحتماء أو القيادة والقتال، وأهم شيئ في هذا الاكتشاف هو استعمال أنفاق القتال بشكل مستقل ومنعزل عن أنفاق المدنيين. وهذه الشهادة تدحض ماروجت له الدعاية الفرنسية والإسبانية من قبيل أن المقاتلين كانوا يختبؤون وسط المدنيين وذلك حتى يبرروا قصفهم لهم. هذه التجربة وجدت امتدادها وبصمتها في أنفاق المقاومة الفيتنامية، بحيث أنها استعملت تقريبا نفس الشيئ: أنفاق القتال معزولة عن أنفاق المدنيين، وبعدة مداخل ومخارج. وداخل أنفاق المدنيين توجد كذلك عدة أروقة للنوم والأكل وتربية الأطفال. إسبانيا عملت على تدمير هذه الأنفاق حتى لا تكون شاهدة على محنة الناس وإبداع المقاومة…
النهب والغنائم واحتجاز راية عبد الكريم:
واصلوا المسير بين أشجار التين والخروب المورقة، ومن خلال ثنايا أغصانها تبدو السماء زرقاء وصافية؛ عند بئر لا ينضب ركّبت فرقة الهندسة مضخة لدفع المياه في أنابيب خاصة جهة تجمعات القوات. الجنود العائدون من بعض الجبهات توقفوا عند هذا البئر لملإ قواريرهم، وشرب الماء العذب اللذيذ حتى يروون عطشهم، يقول.
عند نزولهم جهة وادي إسلي الجاف صادفوا جنديين جريحين من قوات اللفيف في عربة الإسعاف، واحد منهم يتحدث الإسبانية بلكنة إيطالية، تم قنصهم في أجدير؛ كما مروا على مقر/منزل مهجور كانت القوات الإسبانية تحتجز فيه ألمانيين أسرا الليلة الماضية، كان قد فرا من الكتيبة الثانية للفيلق الإسباني الصيف الماضي، وقبل انشقاقهما حاولا يونيو الماضي تفجير مخزن السلاح في منطقة بنطيب حسب عريف، رافق المراسل، الذي تقاسم معهما نفس السرية.
عند مرورهم بمحاذاة دهار السلوم صادفوا جنود طابور مليلية، حاملين راية حمراء يتوسطها هلال ونجمة (راية جمهورية الريف) وهم في طريقهم إلى الحسيمة. تم اغتنام هذه الراية في قرية أجدير، كانت ترفرف فوق المكاتب الحكومية هناك. بعضهم حمل معه مقتنيات خاصة ترجع إلى الأهالي الهاربين. يقول.

جندي يسرق دجاجتين…
حين اقتربوا رويدا من أجدير شاهدوا مجموعة من الجنود ملتفين حول سقاية تحت أشجار التين وهم يروون عطشهم تحت ظلال الأشجار. جميعهم يحملون تذكارات وجوائز من أجدير، ..
يستقبلنا موري عجوز من جنود مليلية النظاميين بصيحات فرح وحماس، حاملاً معه دجاجتين وبصلًا وبطيخًا وتينا مجففًا وشعيرًا من أجدير…
“أجدير صارت لأول مرة تحت أقدامنا، في أعماقنا، في أعماقٍ عميقة، إنها وكر الوحش الذي ربما يراقبنا من الجبال المحيطة، يبكي غضبًا على عجزه، ويرى قلاعه تتهاوى..”.يقول
دخول إلى مقرات جمهورية الريف:
يقول المراسل أن ما شاهدوه وعثروا عليه داخل هذه المقرات أمر مثير للفضول وبالغ الأهمية. المراسل يصف بشكل دقيق هذه المقرات من الداخل من ناحية حجمها والمواد التي بنيت بها، بعضها، على الطراز الأندلسي. وأن جميع الاخشاب المستعملة من الصنوبر الأحمر المنحوت، وكل من العوارض وإطارات الأبواب والنوافذ مزينة بزجاج متواصل على طول حوافها. الألواح مصنوعة بتقنية “اللسان والأخدود”. في غرفة كبيرة يوجد مكتب عليه هاتف يعمل، والذي ربط من خلاله العقيد فيرا الاتصال بالجنرال اليوم صباحا عن احتلال أجدير ليقول له: “لقد احتلنا للتو مكاتب “باخاريتو” [يقصد أزرقان] وأنا أتحدث إليك عبر هاتف عبد الكريم”. الجهاز، وكذلك البطاريات، صناعة فرنسية، ويحمل علامة “يوجين بوسون، باريس”.
على الطاولة توجد العديد من الأوراق والرسائل والصحف والوثائق. الصحف في أغلبها بالإسبانية والفرنسية والإنجليزية، كل واحدة منها مرفقة بمنشور مطبوع عليه عنوان الوكالة التي زودتها بها، وهي “أرغوس دي لا بريس”. لقد رأينا وقرأنا بعض هذه القصاصات المرفقة بهذه المنشورات، والتي كُتبت عليها، بقلم أزرق، كلمة “الريف”.

رسالة موجهة إلى مقاتلي بني حزمر…
ضمن الرسائل التي عثر عليها تعود إلى السيد محمادي بن الحاج سعيد الورياغلي وموجهة إلى ثلاثة قادة في قبيلة بني حزمر. الرسالة مؤرخة في 27 غشت 1925، يُخبرهم فيها، بعد التحية، أنه سيغادر إلى الجبهة الفرنسية للقتال (..) ويطلب منهم ضرورة الصمود والثبات (..). حينها كانت المقاومة الجبلية/الريفية بقيادة: القائد خريرو والقايد بودرة تتقدم لمحاصرة تطوان…
صاحب الرسالة كان من كبار قادة الجيش الريفي وينحدر من زاوية سيدي يوسف (لوطا ) حسب الباحث عماد العمراني.
مصادرة 600 مجلد ورسائل..
في إحدى المنازل المجاورة صادر أفراد الفيلق الاجنبي ثلاثة أكياس من الكتب والمجلدات التي تقدر ب 600 مجلد بالاضافة الى الاظرفة بداخلها رسائل. تم نقلها إلى منزل ليس ببعيد اتخذه القائد إسكاميز مسكنا ومقرا له. المنزل كان على الطراز الأندلسي وفي وسط فنائه صهريج ماء و كميات كبيرة من سنابل الذرة الحمراء كالذهب، والتين، والبصل لتجف تحت أشعة الشمس، بالإضافة إلى آلة خياطة…
مدرسة ومستشفى وسرقة الحبوب:
الغرفة الأخرى على اليسار فارغة، ولا يوجد فيها سوى سبورة كبيرة مثبتة على الحائط ويبدو أنها قسم؛ يلي ذلك مطبخ واسع، على الطراز الأندلسي، والمكون من أربعة مواقد من الحديد، ومدخنة وضعت عليها علبة ملح، وقارورة زيت، وتوابل، وبعض الأواني الفخارية…
كما صادفنا مستشفى صغير بداخله أربعة أسرّة جديدة من خشب الجوز، لكن بدون أغطية أو بطانيات؛ وبعض الخرق المتسخة ملقاة على طاولة، ولوحة كانت تُعلق عليه أدوات الجراحة. أحد الجنود يشير إلى منشار قديم متسخ بلا أسنان يستعمل لبتر الأطراف…
بجانب هذه المقرات توجد حظائر واسطبلات ومخازن الحبوب. في فناء هذا المنزل توجد ثلاث ‘صوامع’ مليئة بالشعير والقمح والذرة تُستخدم لطهي الخبز وعلف البغال والخيول. وقد تم إنزال عدد كبير منها إلى الشاطئ لعلف الخيول التي أنزلت للتو من البواخر.. يقول.
كما عاين المراسل لحظة استنطاق أسيرين كانا في قبضة عبد الكريم وهما من جنود السلطان الذين قاتلوا بجانب التحالف، يقول.

آخر الكلام:
بعد قضاء ليلته في أجدير على أنغام عازف القيثار، قام المراسل بجولة بالمنطقة في الصباح الباكر. لاحظ وجود عدة أنفاق وآثار العشرات من المدافع التي كانت موجهة إلى الشاطئ. هنا سيجد إجابة لسؤال لطالما طرحه هو على نفسه :” لماذا تم الإنزال في صباديا البعيدة عن أجدير، بينما أجدير توجد على مرمى حجر من الشاطئ (يقصد السواني). يضيف، يبدو أن قوات التحالف لو فعلت لانتحرت ربما على أسوار أجدير..”.
كل المعطيات والأرقام الواردة مصدرها هذه التقارير، هي معلومات ذات طابع صحفي طبعا، لكن لا يقلل من قيمة شاهد عيان من قبيل مراسل حربي، خاصة أن هذا المراسل استفاد من المعاينة الميدانية لأفراد القوات التي رافقها، من قبيل عمق الأنفاق وعدد المدافع والقنابل…
أمستردام 29 دجنبر 2025































