بقلم: عبد العزيز حيون
سمعنا هنا وهناك قبل أيام أن الجمهور المغربي المُتتبع لمجرى بطولة أمم أفريقيا والمنتخب المغربي بالذات لا يَحق له إلا التشجيع والمُناصرة فيما لا يحق له الانتقاد واللوم والتعبير عن خيبة أمله في بعض المواقف السلبية التي كان عليها إجماع كل المتتبعين، رجالا ونساء وشبابا وشيبة.
وإقصاء الجمهور من إبداء الرأي هو انتقاص وتقليل من شأنه، فلا يُمكن أن نَستصغر معارف الجمهور المغربي بالذات ونقصيه من حق التعبير عن وجهة نظره وطَرح أفكاره والانتقاد حين يتطلب الانتقاد بالتي هي أحسن وبالطرق الحضارية ،فالجمهور المغربي، أَبى من أَبى وكَره من كَره ،هو جمهور ذواق ومُلم بخبايا كرة القدم وتطوراتها ومُستجداتها التكتيكية وتحولاتها التقنية ويُتابع اللعبة بعُمق وفَهم ..
وهذا الجمهور، الذي في جُعبته على الأقل ثلاث مقابلات من المستوى الرفيع أسبوعيا ويَقرأ ويُتابع ويُحلل كل صغيرة وكبيرة عن كرة القدم وفاهم وقارئ جيد ،يمتلك بالخصوص ذوقًا رفيعًا وقدرة على التمييز بين الجيد والرديء وبين الخطأ والصواب، ويَفهم ويُدرك التفاصيل التقنية والجمالية، التي يبدو أنها تغيب عن من يدعون الدراية الكاملة والفَهم المطلق الذي قد يفهم الأمور بشكل غير سَوي وتنزل على عينيه غشاوة العظمة أحيانا أو في غالب الأحيان، وله رؤية ضبابية وغير واضمَة.
الجمهور المغربي، بكل صراحة كان له الفضل في الانتصار البَين والنَوعي الذي حققه المنتخب المغربي على المنتخب الزامبي، ليس بالدُعاء وبالتشجيع من المدرجات ،بل بالوَصفة التي قدمها في الوقت المناسب من أجل التصحيح، وبالانتقاد البناء جَهرا وبصوت مسموع وبشكل حضاري مع بعض الحماس الزائد حُبا في المنتخب والراية المغربية، لأنه ببساطة وببصيرة نافذة لم يقتنع، لا شكلا ولا مضمونا، بالطريقة التي دُبرت بها مقابلة منتخب مالي، وهو الواقع الذي أجمع عليه الشعب المغربي برُمته،.الشعب الصادق الذي يلتئم في القضايا المصيرية التي تهم البلاد والعاشق لبلاده في السراء والضراء وفي أوقات الشدة وفي أوقات الرخاء.
هل يحق للجمهور، وفيه المتفرج والمحلل والعارف كثيرا والعارف قليلا، أن يَنتقد ويعبر عن وجهته نظره ..؟ نعم أيها السيد المدرب.. وله الحق كاملا وغير منقوص، وحتى الأعراف في كرة القدم تعتبره الداعم الأساسي لأي فريق مهما عَلا شأنه ومهما عَلا شأن المدرب ،ولنا في الانتقاد الذي وُجه للمدرب العبقري بيب غوارديولا طيلة السنة الماضية خير مثال خير عبرة وموعظة مُستفادة وكان رده دائما بالتي هي أحسن قبل أن تتغير الأمور جذريا هذه السنة..
السيد المُدرب ،انتقاد الجمهور المغربي العارف والذواق والمُلم والمُحفز والمتتبع الدقيق والثاقب النظر، لم يكن أبدا لتصفية حسابات ما، ولا ينبغي أن تَعتقد أنك الوحيد من يَفهم في كرة القدم، التي هي بالمناسبة ليست علما تطبيقيا وحَيا ولا كتابا مُقدسا حتى لا تُنتقد ،ولك الحق وحدك في إبداء الرأي والقيام بالتغييرات وقت ما تشاء وكيف ما تشاء بلا حسيب ولا رقيب ..
كما يعتقد أنه لا يُمكن لأحد أن يعاتبه على كيفية تدبير مُجريات مقابلة مالي، من الناحية التكتيكية والتشكيل الأساس والتغييرات العشوائية التي تمت والتأخر في قراءة أحداث المقابلة والتراجع المُعيب عن الضغط على الفريق الخَصم وكيفية تفكيك دفاع الماليين.. وهي المقابلة التي أثارت حفيظة حتى مسؤولي الجامعة كم أطلعنا الإعلام، ولم تُرض حتى لاعبي المنتخب الوطني أنفسهم.. وقد سمعنا بإمعان ما صرح به بعض اللاعبين الكبار .
المنتخب الوطني المغربي يتحدث عنه الآن الجميع، من أوروبا الى أمريكا الى الدول العربية الى آسيا، للانجازات التي تتحقق بناء على خطط واستراتيجيات مدروسة ساهمت فيها كل مستويات التدبير في المملكة، وأيضا لتوفرنا الآن على لاعبين من الطراز الرفيع ويَشهد بأدائهم مع الفرق التي ينتمون إليها الخبراء المَرجعيون والفاهمون والعدو قبل الصديق.. وهو ما يستوجب التعاطي الناجع والعقلاني مع هذا “الكنز” الذي تحسدنا عليه أعرق المنتخبات في العالم ولا تستطيع الأخرى اكتسابه حتى بأموال الدنيا كلها…
المدرب الناجح والخلوق طارق السكتيوي أَحَبه الجميع نعم لأنه حقق إنجازات لا ينكرها إلا جاحد، ولكن أيضا لأنه شخص متواضع رغم معرفته الواسعة وكفاءته الناضجة ولتعامله بنضج ووعي مع ما لديه من وسائل دون أن يبحث عن مبررات واهية ،لكنه بالخصوص رجل التواصل بامتياز ومُثقف، يقول ما يُفيد بدون تجريح ولا تَكبر ومُؤمن بقدر الله ويَشكر اللاعبين ومن يساعده في مهامه بكل تواضع..
والوُد ليس بالإكراه والُحب ليس بالغصب ولا يأتي بالتكبر والعناد وتضخيم الأنا، والتفاهم والقُرب ليس بالإجبار ولا بفرض أنفسنا على الآخر عُنوة… وقال الله تعالى في سورة الرعد:.”إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يَغيروا ما بأنفُسهم”، صدق الله العظيم… فاعتبروا يا أولي الألباب..































