منذ مدة بات يتضح أن المغرب يحضى بثقة خارجية بسبب عدم اختراقه من طرف القوى الإرهابية التي تهز كيانات عدد من الدول العربية ، وصرح أمس الإثنين ، وزير الخارجية الفرنسي بكون المغرب يعد ضمن المناطق الخضراء التي لا ينصح السائحين والمهنيين الفرنسيين بعدم زيارته ، ولو أن درجة الصفر من التهديد غير موجودة على حد تعبيره سواء في المغرب او فرنسا أو أي بلد آخر .
هذا الثناء الخارجي على الوضع الداخلي بالمغرب ، يستدعي طرح بعض الملاحظات لفهم مجريات هذا الاستقرار الذي يظهر أنه ” ينعم “به .
الدولة المغربية نجحت إلى حد كبير في الاستثمار في سوق الخوف الناجم عن المجازر المنتشرة في كل مكان في الشرق الاوسط ، وهذا ما دفع قسم كبير من الطبقات المتوسطة للتراجع إلى الوراء خوفا من التغيير الذي يؤدي إلى سفك الدماء والقبول بأنصاف الحلول في تجرع مرارة الواقع .
قد لا تكون هناك موتى وضحايا في الشوارع ، لكن عندما تنشر رأسمالية الخوف مئات من العاطلين ويطرد العمال من المعامل وتسحق النضالات النقابية والحقوقية وتستهدف مختلف الفئات في مصائرها ومستقبلها وتهدد في حقها من الاستفادة من ادخاراتها للتقاعد وغيرها من المكتسبات العمومية ، أليس هذا ، بعينه موتا بطيئا .
في نفس الوقت عندما تسعى الدولة إلى التحول إلى دولة الطاعة والتأديب وتستغل الظروف الاقليمية من أجل فرض رقابة حديدية على حرية التجمع والرأي والتعبير ، أليس في ذلك تهديد حقيقي للاستقرار السياسي الذي ما كان يوما يفرض بالضغط والقوة ؟.
لقد قال يوما جيل دولوز معلقا على نموذج الدولة الفرنسية قائلا أنها دولة رقابة لكن عندما يصبح الشعب مصدرا للقانون الاسمى ، جاء ذلك في سياق الجدل الدائر باستمرار في فرنسا حول دور السلطة القضائية الواضحة المعالم بين دول السلطة الامنية غير محددة المعالم .
في سياق تصاعد معادلة كبح الحريات لحماية أمن الجميع التي جاءت بعد أحداث 11 شتنبر بأمريكا ، استغلت عدد من الدول التسلطية سياسة محاربة الإرهاب لمحاربة حرية التعبير والرأي والتجمع ، غير أن جميع الدول الأوروبية التي شملتها الأحداث الإرهابية سعت فعلا لاستعمال جميع الوسائل التقنية للمراقبة، لكن لم تمس قيد أنملة مجال الحريات السياسية والنقابية والحقوقية ..وضمنت بذلك استقرارا مدعوما من طرف المجتمع المدني .لدرجة أن رجل أمن إيطالي علق على رقابة الدولة على ممارساتهم قائلا : أنها لا تريد منا أن نفرض النظام ولكن تدبير الاضطرابات دون المساس بالحريات ، أنظر مدى الصعوبة التي يجد فيها رجل أمن نفسه ، وهو الذي تقع ممارساته تحت طائلة الرقابة القانونية والعقاب في حالة التجاوز، في وضع صعب للحفاظ على حرية الآخرين حتى في الوقت الذي يتجاوزون فيه النظام .
في بلدنا يحدث العكس فرجل الأمن يقرأ السياسات العمومية الأمنية وفق منطق التعليمات التي تعطى له ، فكم من مناضل حقوقي وسياسي ونقابي ومواطنين تعرضوا للرفس والتعذيب والتنكيل أثناء المظاهرات السلمية التي لم تكن تتطلب أي شكل من اشكال العنف طالما أنها ظلت سلمية ، بل أن عددا من المناضلات والمناضلين تعرضوا لنوع من العقاب في التظاهرات العمومية نتيجة تصريحاتهم السياسية والفكرية والحقوقية والإعلامية ، ولنا فيما تتعرض له الجمعية المغربية لحقوق الإنسان خلال هذه المرحلة خير مثال على استمرار سياسة عقابية على الدور الحقوقي المتميز لهذا الصوت المناضل الذي لا يتوانى بالجهر بالحق في وجه السلطة .
ثم ، ألا يشكل احتلال المجتمع المدني للمجال المديني وعدم تركه عرضة لانتعاش القوى الإرهابية مناعة ما تحول دون انتعاشها ، أليس في استبعاد الجميع من معادلة الصراع بالقوة هو نفسه فتح مبين لتغلغل أنماط من القوى المتطرفة على شاكلة هذا الوحش المسمى داعش.
إن أكبر حماية من مخاطر انفجار الاوضاع هو الديمقراطية ، لأن الحياة السياسية صارت مستحيلة على معالجة النزاعات والصراعات بالقوة والوسائل الامنية وبالتالي فلا استقرار ولا استثناء في ظل اجهاض حرية الرأي التعبير والتجمع وانتهاك حقوق الإنسان .إنه استقرار صوري ناجم عن الاستثمار في سوق الخوف .
الكاتب: ذ.علي بلمزيان































