يلاحظ الباحث في التّجربة الصّوفيّة ثراء ما تحمله من إشارات ورموز وطقوس، عمادها تفعيل طاقات الفرد ودعوته إلى استقصاء معاني العقيدة، وعدم التوقّف على ظواهر الشّريعة، واختبار أحواله، وتبيّن حقيقة علاقته بالله والعالم، مع ما يقتضيه ذلك من تفاعل مع النصوص الدينيّة، إسلاميّة كانت أو وافدة، من موروث عرفاني قديم وثقافات سابقة أو حاضرة.
واختارت دراسة منشورة على موقع مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” بقسم “الدراسات الدينية” بعنوان “في الإيمان الصوفي: المكونات والخصوصيات” للباحث التونسي الدكتور صابر السويسي، علما من أعلام التّصوّف، وهو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمّد القشيري وكنيته “أبو القاسم” (377هـ/ 465هـ)، للنّظر في مقوّمات التّجربة الصّوفيّة عنده؛ إذ اقترن اسم هذا العلم بفترة مخصوصة من تاريخ التّصوّف، وهي بدايات القرن الخامس للهجرة، غلب عليها السّعي إلى تقنينه وتسييجه بالحدود السّنّيّة وتوجيهه وجهة أخلاقيّة حفظًا لتعاليمه وآدابه وتصوّراته، وشرحًا لها وتأصيلاً وحمايةً، ممّا بدا لأصحابه من عدول عن أسسه وأصوله وغلوّ في ممارسته.
ويأتي التّركيز على رسالتيْ “ترتيب السلوك” و”الرّسالة القشيريّة”، وفق الباحث، لما حملتاه في متنيهما من شرحٍ لمفاهيم التّصّوّف واصطلاحاته، وعرضٍ لقواعده وشروطه وآدابه، ونقلٍ لأخبار أعلامه وأقوالهم، وهو ما شكّل مادة تكفل الوقوف على خصائص التّجربة الصّوفيّة، والتّعرّف عليها وتبيّن منزلتها ضمن مختلف العلوم الدّينيّة كما تسمح بمعرفة مدى تميّزها وثرائها.
مفهوم التصوف عند القشيري
ويلفت السويسي إلى أن ما يقدّمه القشيري من تعريفات للتصوف، يجعل الدارس يلاحظ منحيين: الأوّل عام ينظر في مرجعيّات التّسمية ذاتها ودلالاتها، مركّزًا على الجانب الاشتقاقي اللّغوي، أما الثّاني فخاصّ يكتفي باستعراض أقوال من تقدّم من شيوخ الصّوفيّة في هذا الباب دون تصنيف أو ترتيب أو تعليق.
ومن أهم معاني التصوف عند القشيري، وفق الباحث، أن التّصوّف “قرين الصّفاء”، فهذا ما يفهم من تصدير القشيري حديثه عن التّصوّف في الفصل الثّاني من الرسالة القشيرية، إذ انطلق من الكلام عن الصفاء وفضله. ويبين السويسي إلى أن القشيري يحاول الإيهام بالموضوعيّة والحياد حين ينفي إمكان اشتقاق مفهوم التّصوف من الصفاء، لأنّ ذلك “بعيد في مقتضى اللّغة”، دون أن ينكر كونه من المعاني المحبّذة عند الصّوفيّة، بل هو من مقوّمات تجربتهم التّعبّديّة.
وفي ما يتعلق بمفهوم التصوف ولبس الصوف ينفي القشيري حصر التصوف في هذا المعنى، ويعلّل موقفه بأنّ الصوفية “لم يختصّوا بلبس الصّوف”، وإن كان يعترف بجواز اشتقاق التصوّف من الصّوف لغة. ويعتبر مثل هذا السّلوك من قبل القشيري طبيعيًّا ومنتظرًا، لأنّه دارج في أوساط الصّوفيّة.
وقد يعلّل هذا اكتفاء القشيري في رسالته “ترتيب السلوك” بمجرّد الإشارة إلى شرط الطهارة في الثوب دون تنصيص على شكله أو مادّته.
وتسوق الدراسة مفهوما آخر للتصوف، وهي ارتباطها بصفّة مسجد الرسول، والصّفّة موضع مظلّل في مؤخّرة مسجد الرسول الكريم، بني ليأوي إليه فقراء المسلمين، فنسبوا إليه وعرفوا بأهل الصّفّة، أمثال أبي هريرة وأبي موسى الأشعري وسلمان الفارسي، وقد غلب عليهم طابع الزهد والتقوى والقناعة، وكانوا مقرّبين إلى الرسول الكريم.
أكّد القشيري تلازم البعدين النظري والإجرائي في التجربة الصوفية؛ فالعقيدة لا تقف عند حدود العلم بها وتصديقها، إنّما تقتضي العمل بها وتحيينها في سلوك العبد وأخلاقه وفق مراحل محددة اصطلح على تسميتها بالمقامات والأحوال
وهذا ما دفع بعض الصّوفيّة وحتّى مؤرّخو الفكر الصّوفي، بحسب السويسي، إلى القول باشتقاق تسمية التّصوّف من الصّفّة لإضفاء المشروعيّة على سلوكهم وعقيدتهم، ولكنّ القشيري يرفض هذا الفهم ويراه غير سليم من النّاحية اللّغويّة لذا لا يتوقّف عنده كثيرًا.
أما مفهوم “التصوف والصف” ففي هذا الفهم، وفق ما أوردت الدراسة، محاولة لتمييز الصّوفيّة والإعلاء من شأنهم بتأكيد تفرّدهم بالقرب من الذّات الإلهية، فهم وفق هذا الاعتبار في الصّفّ الأوّل أمام الله، إلاّ أنّ القشيري يؤكّد ضعف هذا التّفسير من النّاحية اللّغويّة، وإن كان يقبله في دلالته ويتوسّع فيه، ليرفع من شأن التّصوّف ويدعم تميّزه وفضله.
ويمكن للباحث في التصوف أن يتبيّن مقومات التجربة الصّوفيّة كما وضعها أصحابها، وفي مقدّمتها ثلاثة مفاهيم رئيسة توقفوا عندها وتوسّعوا فيها وأكّدوا ترابطها وتماسكها منطلقًا وغايةً، وتتمثّل في التّوحيد والمعرفة والمحبّة.
ويعد التّـوحــيد، بحسب الباحث، الأسّ الأسمى للتّصوّف عند أصحابه، وهو المقصد والمنتهى، إليه توجّه الهمم والقلوب وبه يكون البقاء والعطاء، لذا يسمّي الصوفية أنفسهم أحيانًا أهل التوحيد، وقد عمل القشيري في هذا السّياق على تعريف التوحيد في مختلف صوره، وانتقد الاقتصار على مجرد التقليد، أو الاكتفاء بالعقل وحده لإدراك الحقيقة الإلهية.
وتعدّ المعرفة ركنًا رئيسا وشرطًا ثابتًا لخوض التّجربة الصّوفيّة، لذلك فقد حرص القشيري على تأكيد ضرورة اطّلاع السّالك على مختلف العلوم الدّينيّة، الفقه والتّفسير والحديث خاصة، لأنّها عدّة البدايات وحامية النّهايات.
أما المحبة، فلا تقلّ عند الصوفية أهمّيّة عن التوحيد والمعرفة، وفق الدراسة، إذ تتكامل معهما في نحت معالم التصوف الحقيقي الأرقى؛ فهي سبيل تحصيل المعرفة الإلهية واكتمال التوحيد. ويميّز القشيري بين محبّة العبد لربّه وبين محبّة الله لعبده، لأنّ الأولى “حالة شريفة” قابلة للتّطوّر، لتصبح عشقًا يصل بصاحبه إلى ما يسمّى بالشطح أحيانًا.
وفي المقابل، ينفي القشيري جواز وصف الله بالعشق، ويتوقّف عن تفسير المحبّة الصادرة عن الذّات الإلهية في اتجاه عبده سيرًا على نهج من أسماهم قومًا من السّلف اعتبروا المحبة “من الصفات الخيرية فأطلقوا اللّفظ وتوقّفوا عن التّفسير”، وهو بهذا يحاول مرّة أخرى تسييج مقوّمات التجربة الصّوفيّة بالحدود السّنّيّة بإثبات الصفات الإلهية من جهة، وتأكيد اختلافها عن الصفات البشرية من جهة أخرى.
وفي ما يتعلق بالتصوف سلوكا أكّد القشيري، وفق ما أورد الباحث، تلازم البعدين النظري والإجرائي في التجربة الصوفية؛ فالعقيدة لا تقف عند حدود العلم بها وتصديقها، إنّما تقتضي العمل بها وتحيينها في سلوك العبد وأخلاقه وفق مراحل محددة اصطلح على تسميتها بالمقامات والأحوال.
ويرى الصوفية، بحسب الباحث، أنّ النفس البشرية مجبولة على الشرّ، وأنّها أصل كلّ بليّة، فهي أمّارة بالسوء، وهي ما يشوّش صفاء التوحيد بندائها المستمر لإشباع الغرائز والأطماع الفردية الضيّقة، كما أنّها محلّ المذموم من الصفات.
وقد حاول القشيري توجيه الفهم في هذا السّياق إلى ما هو أخلاقي؛ فالفناء عنده “سقوط الأوصاف الذّميمة”. أمّا البقاء، فـ “بروز الأوصاف المحمودة”. وذلك توقّيًا من أن ينصرف الفهم إلى الانزلاق في متاهة القول بالحلول والاتحاد، ويرمى التصوّف من ثمّ بالانزياح عن الإسلام ويُتّهم بالبدعة والضلال.
ويوضح الباحث أن الصوفيّة لم يخفوا في مواضع عدّة رفضهم لفساد الواقع الّذي يعيشونه، وقد عمل القشيري على توضيح مفهوم الخلوة والعزلة وربطهما بأبعاد أخلاقية أساسًا، كما حمل على ما بدر ممّن انتسب إلى التصوّف من مغالاة وتشدّد وتزييف للحقائق.





























