كما هو معروف فإن الوحدات الترابية مطالبة خلال كل شهر فبراير بتقديم حساباتها الإدارية المتعلقة بتنفيذ ميزانياتها بشقيها المتعلق بالمصاريف والمداخيل ، وغالبا ما ينزل هذا الشهر بنوع من الشؤم على النخب المحلية وخصوصا رؤساء الجماعات الذين يكونون مطالبين بتقديم الحساب السياسي والمالي عن سنة من التسيير ، وهي غالبا ما تكون مناسبة لتسوية عدد من الخلافات أو نشوبها بحسب حالة كل جماعة على حدة .ونظرا لحساسية هذه المحطة التي كانت دائما مثار نقاش قانوني في طريقة حسم هذه الوثيقة ، قبل أن يكون سياسيا مما جعل المشرع يفردها بعدد من المقتضيات خضعت لعدة إصلاحيات متتالية ، فهل سويت كل الإشكالات التي يطرحها مسألة حسم الحساب الإداري ؟
كثيرة هي المقتضيات القانونية التي تعتريها تناقضات ونواقص تظل مستترة، لكون ممارسة الشأن المحلي لا يخضع لمعايير ديمقراطية يمكن أن يدفع بالصراع الديمقراطي إلى مستوى تحكيم القوانين والسلطات وفتح الباب للاجتهادات لا سيما القضائية منها من شأنها تصحيح عدد من الاختلالات التي تظل ، رغم نواقصها ، سارية المفعول دون أن يطالها التصحيح.
لقد طرحت إشكالية المصادقة الحساب الإداري ،باعتباره تقييم لمدى سلامة تنفيذ الميزانية من طرف الآمر بالصرف ، وجاء تعديل سنة 2002 للميثاق الجماعي ليطرح لأول مرة على حق المجلس في رفض الحساب الإداري مع اشتراط تعليل المقرر ، على خلال الممارسة في إطار ميثاق سنة 1976 حيث كانت المجالس الجماعية بمجرد التصويت على الحساب الإداري تصبح مصادقة سلطة الوصاية من قبيل تحصيل الحاصل حيث لم يشهد طيلة تجربة الجماعية في إطار الميثاق المذكور أن سجل رفض المصادقة ولو في حالة واحدة.
الثغرة التي سجلت على ميثاق سنة 2002 هو أنه اشترط التصويت السري على الحساب الإداري مما صارت معه مسألة التعليل غير ذي معنى وبالتالي لم يكن أمام سلطة الوصاية من خيار آخر سوى المصادقة، وهو ما استدركه المشرع في إطار تعديلات سنة 2009 عندما ألزم المجالس باعتماد “الاقتراع العلني على الحساب الإداري المعروض عليه من طرف الرئيس” ( المادة 71) وألغى بصفة نهائية إمكانية المطالبة بإجراء دراسة جديدة في حالة رفض المجلس للحساب الإداري، كما يستشف من منطوق المادة 70 من نفس الميثاق ، حيث تطبق مباشرة مقتضيات المادتين 143 و144 ” من القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية ..” لكون المشرع أدرك بأن المطالبة بإجراء دراسة جديدة تعطي الفرصة للرؤساء من أجل الضغط لاستصدار مقرر إيجابي على الحساب الإداري بعد رفضه. وأحاله مباشرة على المجالس الجهوية لافتحاصه وإصدار رأي في الموضوع ،ولا يبت في الحساب الإداري، بحيث أن سلطة القرار تبقى بيد الوالي أو العامل أو وزير الداخلية الذي يستئنس فقط برأي المجلس الجهوي للحسابات ويمكن له اتخاذ قرار مخالف له مع العلم أن هذا القرار يتعرض بدوره للطعن وإن كان يظهر أن سلطة الوصاية اتبعت الطريق السهل في التخلص من مقررات رفض الحسابات الإدارية بإلقاء المسؤوليةعلى كاهل المجالس الجهوية التي كانت في ميثاق سنة 2002 تبت بقرار ملزم للمجالس قبل أن يتم تدارك الأمر في تعديلات سنة 2009 بتحويل مسألة البت في الحسابات الإدارية إلى إبداء الرأي فقط ، يعطي سندا قانونيا لسلطة الوصاية بالاعتماد عليه في اتخاذ القرار المناسب في الموضوع.
لكن القضية في واقع الأمر لم يتم معالجتها بشكل دقيق طالما أن المشرع سكت عن ترتيب إجراءات المتابعة والعقوبات في حالة رفض الحساب الإداري ووقوف المجلس الجهوي للحسابات على اختلالات تزكي مشروعية ذلك الرفض، وهو جوهر النقص الذي يعتري مسألة تدبير الحسابات المالية لتنفيذ الميزانيات الجماعية .
لكن ،هل ثبت خلال هذه الولاية أن مورست هذه المقتضيات من طرف مجلس جماعي واحد ؟ بالقطع لا . وهل معنى ذلك أن تنفيذ الميزانيات الجماعية تمت كلها بشكل سليم ، ولم يكن هناك ما يدعو لرفض الحسابات الإدارية في كل هذه الوحدات الترابية ؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يخفي حقائق مبطنة عن كون التجربة الديمقراطية المحلية تعتريها اختلالات كبرى تعود إلى طبيعة النخب المحلية التي يقع على عاتقها بناء الصرح الديمقراطي .
فقد تجد في عدة حالات فسادا يزكم الأنوف من جراء تسيير مالي تعتريه اختلالات كبرى ومع ذلك يجري التصويت على الحساب الإداري بالإجماع ، ولو أن الاجماع لا تتحقق مشروعيته إلا في الجنازات ومآتم التعزية ، ولا يجوز أن يكون معيارا للديمقراطية في مجال الممارسة السياسية التي لا تتصف بالكمال .وما يزكي هذا الطرح ، كمفارقة ، هو أن وزارة الداخلية أقدمت على عزل عدد من الرؤساء خلال هذه الولاية بسبب سوء التدبير الذي كان حريا بالمجالس الجماعية أن تعكسه في ممارستها الانتدابية وهو ما يعني أن بواطن الأشياء تشي بوجود عدد من الالتباسات أهمها يعود للنخب المحلية في كيفية تدبير شؤونها.





























