بــــقلــم : خالـد البــوهالي
باحث في الشؤون الدولية
الجنون الترامبي ليس له حدود، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصبح يتصرف مثل ثور هائج أثخنه مصارعوه جراحا. يضرب يمينا و شمالا.
عندما لاحت بوادر انتشار وباء كورونا كوفيد 19 بالولايات المتحدة الأمريكية، أدار بها الرئيس دونالد ترامب هذه الأزمة الوبائية بطريقة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنه يخبط خبط عشواء. و يتصرف بعقلية السمسار بناء على مبدأي الربح و الخسارة – و كأن الولايات المتحدة الأمريكية أصل تجاري أو رسم عقاري في ملكه – و ليس بعقلية السياسي المحنك ذي الفكر الثاقب و بعد النظر و الحكمة المفروض توافرهم في رجل الدولة.
فمع اندلاع جائحة كورونا، تعالت الأصوات في الولايات المتحدة الأمريكية منادية بتطبيق إجراءات الحجر الصحي أو التباعد الاجتماعي، أولها لخبير الأمراض المعدية الدكتور أنتوني فاوتشي درءا لوقوع الكثير من الضحايا. لكن جشع ترامب و أنانيته و غروره و رغبته الجامحة في الحصول على ولاية رئاسية ثانية في البيت الأبيض بأي ثمن، رفض اتخاذ أي إجراءات في الموضوع، إلا بعد أن تفاقم الوضع. فصاحب شعار “أمريكا أولا” استبدله بشعار آخر ألا و هو ” فوزي في الانتخابات أولا “
و في مواجهته مع خبير الأمراض المعدية انتوني فاوتشي انخرط ترامب في حملة هاشتاغ بعنوان “أقيلو انتوني فاوتشي” هذا الأخير لا ذنب له سوى أنه آخذ على رئيسه عدم الاستماع لنصائحه منذ البداية، باتخاذ أقصى التدابير لتفادي تجنب سقوط العديد من الضحايا. و على ما يبدو أن هذه الحملة كانت وسيلة للضغط على فاوتشي للتراجع عن أقواله، و قد أعطت أكلها فالخبير فاوتشي استعاض عن تلك التصريحات، بتصريحات أخرى قال فيها أن الرئيس ترامب استمع لنصائحه، كما أن البيت الأبيض أكد أنه لا نية لترامب في إقالة فاوتشي، و هذا يدل على أن فاوتشي تعرض لضغوطات أو تهديدات من ترامب بإقالته.
يبدو أن ترامب لا يريد سماع أي أصوات منتقدة و منددة بسياساته التي من شأنها أن تؤثر في حصوله على ولاية ثانية. حتى لو تطلب الأمر الدوس على المزيد من أرواح المواطنين الأمريكيين. و تصريح المشرع و النائب الجمهوري تراي هولينغزورث ” يسير متماهيا مع ما سلوكيات ترامب في التعامل وباء كورونا، فقد صرح هذا النائب” بأنّ السماح بمقتل المزيد من الأميركيين بفيروس كورونا، يعتبر أهون من ضرر الاقتصاد الناجم عن إجراءات العزل” و هذا دليل على مستوى الانحدار الذي وصل إليه الساسة الأمريكيون، المهم بالنسبة لهم استمرار الاقتصاد للبقاء في الحكم و ليذهب الشعب الأمريكي إلى الجحيم، و لعل مدينة نيويورك خير شاهدة على ذلك التي أضحت أكبر بؤرة للوباء، لدرجة أن عمدة نيويورك صرح أنه لن يعيد فتح المدينة حتى لو طلب منه الرئيس ذلك، و هذا يُفسَر على أنه تمرد و عدم رضا العمدة على طريقة تعاطي الرئيس ترامب مع الأزمة. كما أن الدستور الأمريكي ينص على ” أن حكام الولايات ملتزمون بحفظ النظام والأمن” مما قد يدفع بترامب إلى الدخول في نزاع دستوري مع بعض حكام الولايات الأمريكية.
علاوة على ذلك، أطلق نشطاء أمريكيون على مواقع تويتر حملة ساخرة ضد الرئيس ترامب الذين اعتبروا أن رئاسته فاشلة و كذا مساعدته على إيجاد شعار صادق لعام 2020 تحت هاشتاغ Accurate Trump 2020 Slogans” ” أي شعارات ترامب الدقيقة لعام 2020. حسب ما نقله موقع قناة الميادين.
و عوض أن يحاول إصلاح ما أفسدته سياسته الرعناء، و للتغطية على إخفاقه في تدبير الجائحة، اختار سياسة الهروب إلى الأمام بالهجوم على منظمة الصحة العالمية – و إن شاب أداءها بعض الارتباك – حين اتهمها بمحاباة الصين و بسبب سوء إدارتها للأزمة و عدم كشفها للحقائق حول المرض رغم وجود أمريكيين مسؤولين يشتغلون بها، و قرر تعليق المساهمة المالية المقدمة لها، و هذا السلوك لم يجلب عليه سوى الانتقادات الدولية. أهمها تصريح الناطقة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا بقولها “السياسيون في هذا البلد (أمريكا) دائما منشغلون بالبحث عن مذنب … الشغل الشاغل لهم هو العثور على أنبوب الاختبار الأسطوري وتقديمه للعالم كدليل على ذنب الآخرين وبراءتهم من كل الذنوب”. و حتى من الداخل الأمريكي لم يسلم ترامب من الانتقادات فقد وصفت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي قرار ترامب بأنه أحمق و خطير و كذلك الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر.
أما فيما يتصل بعلاقته مع الصين الشعبية، فقد اتهم ترامب سلطات بكين بالتسبب في انتشار الفيروس انطلاقا من مدينة ووهان، بل و وصل الصلف الأمريكي مداه عندما طالب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو من الصين تعويضات عن مسؤوليتها في انتشار الفيروس، رغم أن كل المؤشرات تدل على أن فيروس كورونا أمريكي المنشأ، فالرئيس السابق جورج وولكر بوش كان قد حذر من وباء سيصيب الولايات المتحدة الأمريكية في خطاب له سنة 2005 و لكن لم يذكر لا طبيعة الوباء و لا مصدره، و لا يمكن لرئيس أمريكي أن يطلق تحذيرا من هذا النوع، دون إن تكون بين يديه تقارير صادرة عن أجهزة الاستخبارات و وكالات الأمن القومي الأمريكي.
و لعل ما يزكي هذا المؤشر، هو ما كشف عنه موقع سكاي نيوز عربية نقلا عن صحيفة لوس أنجلوس تايمز التي خصها الدكتور جيف سميث الذي هو بالمناسبة الرئيس التنفيذي لحكومة مقاطعة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا، بتصريح مفاده أن المرض انتشر “بصمت” في ديسمبر من العام الماضي، قبل شهر على الأقل من رصد الإصابة الأولى به. و لكن لم ينتبه إليه أحد نظرا لتزامنه مع موسم الأنفلونزا، و لعل في هذا التصريح ما يغني عن أي تعليق.
خلاصة القول، الرئيس ترامب بات يدرك أن طريقة تدبيره للأزمة كانت جد فاشلة و سيئة بالنسبة للعديد من المواطنين الأمريكيين، حيث أعداد الوفيات في تصاعد مستمر و جرت عليه انتقادات الداخل و الخارج لذا فهو يبحث عن أكباش فداء ليبرئ نفسه من تهمة التقصير، علما أن الانتخابات الرئاسية لا تفصله عنها سوى أشهر لأنه يعي جيدا أن صراعه مع المرشح الديمقراطي جو بايدن سيكون شرسا و ضاريا و سيستغل هذا الأخير الفاجعة لتوجيه أقصى ما يمكن من ضربات قاصمة قد تعصف بأحلام دونالد ترامب في نيل ثقة الناخبين بولاية ثانية. إلى ذلك الحين من يوقف جنون ترامب؟.































