قضت المحكمة الأوروبية استئنافيا الأربعاء من الأسبوع الجاري برفض الحكم الابتدائي الذي كان قد ألغى اتفاقية التبادل الزراعي والمنتوجات البحرية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وبررت قرارها بأن الاتفاقية لا تطبق ولا تشمل منطقة الصحراء المتنازع عليها. وذهب كل من المغرب والبوليساريو الى تبني الانتصار في الحكم كل واحد من نمطلقات في تأويل القرار .
وضمن استراتجيتها في مواجهة المغرب في المنتديات الدولية، تركز جبهة البوليساريو على تعتبره ملف استغلال المغرب للثروات الطبيعية في الصحراء ، وتسعى الى تحقيق هدف رئيسي وهو: إلغاء منطقة الصحراء الغربية من كل الاتفاقيات التجارية والاقتصادية الدولية. ولهذا، فقد تقدمت بدعاوي طعن الاتفاقيات التي أبرمها المغرب مع الاتحاد الأوروبي وكذلك الضغط على شركات النفط بعدم التنقيب في الصحراء.
ونجحت البوليساريو في الدفع بالمحكمة الأوروبية في الحكم الابتدائي الصادر خلال ديسمبر الماضي الى إلغاء اتفاقية التبادل الزراعي والمنتوجات البحرية، واعتمدت في حكمها على معطيات القانون الدولي الذي ينص على ما اعتبرته “عدم سيادة المغرب على الصحراء”، وبالتالي لا يجب أ، تشمل الاتفاقيات الدولية الاقتصادية الصحراء.
وتسبب الحكم في توتر العلاقات المغربية-الأوروبية الى مستوى تهديد الرباط بإعادة النظر في هذه العلاقات. وتقدم مجلس أوروبا باستئناف ضد الحكم وساندت بعض الدول الاستئناف وهي اسبانيا وفرنسا والبرتغال والمانيا. كما ساند محامي الاتحاد الأوروبي (الذي هو بمثابة رئيس النيابة العامة نسبيا) موقف مجلس أوروبا، مذكرا بأن الاتفاقيات الموقعة مع المغرب لا تشمل أوتوماتيكيا الصحراء، وبالتالي لا يمكن إلغاء اتفاقية التبادل الزراعي والمنتوجات البحرية اعتمادا على التصور القانوني. وأضاف الى أن البوليساريو لا تمتلك صفة تمثيل الصحراويين في القضايا التجارية والاقتصادية.
وتبنت المحكمة في طور الاستئناف آراء محامي الاتحاد الأوروبي، ونصت في حكمها الصادر الأربعاء من الأسبوع الجاري على إلغاء الحكم الابتدائي للمحكمة الأوروبية تحت مبرر رئيسي وهو أن “الصحراء غير مشمولة بالاتفاقية بين المغرب والاتحاد الأوروبي”. وقدمت قراءات قانونية أكثر منها تأويلات سياسية في صياغة الحكم، عكس التأويل السياسي نسبيا في الحكم الابتدائي. وعنونت المحكمة ملخص الحكم الذي وزعته بهذا العنوان “اتفاقيات الشراكة وتحرير تبادل المنتوجات الموقعة بين المغرب والاتحاد الأوروبي لا تطبق في الصحراء الغربية”. وحمّلت البوليساريو مصاريف الدعوى.
وسارعت جبهة البوليساريو الى الترحيب بالحكم، وأولته من جانبها بأنه نصر لأن حكم المحكمة ينص على عدم الاعتراف بمغربية الصحراء، وهذا يعتبر وفقها نصرا سياسيا. وقال في هذا الصدد، عضو أمانة جبهة البوليساريو المكلف بالعلاقات مع المينورسو وملف الثروات الطبيعية أمحمد خداد الذي أبرز هذه المضامين، وطالب من الاتحاد الأوروبي والشركات أخذه بعين الاعتبار في الاتفاقيات مع المغرب. في الوقت ذاته، تقول البوليساريو أنها كانت تهدف الى تأكيد إلغاء منطقة الصحراء من الاتفاقية، وهو ما تعتبره قد تحقق لها مع الحكم.
وعلاقة بالموقف المغربي، فقدمت قدمت دبلوماسية الرباط قراءتا للحكم القضائي، ومن الفقرات الدالة في البيان “وبهذا القرار تصحح محكمة العدل الأوروبية الانحرافات القانونية، وتعدل التقديرات السياسية الخاطئة، وتلغي الخلاصات التي لا أساس لها الصادرة عن محكمة الدرجة الأولى. كما تلاحظ المملكة المغربية أن خلاصات المحكمة لا تشكك في قانونية وشرعية إبرام المغرب لاتفاقيات دولية تغطي منطقة الصحراء المغربية”.
وهذا الحكم سيحمل تأثيرات هامة على ملف الثروات الطبيعية الذي يعتبر من عناصر المواجهة بين المغرب وجبهة البوليساريو في المنتديات الدولية، حيث قامت الجبهة بتوظيفه في الصراع رفقة ملف حقوق الإنسان. وتقدمت بدعوى مماثلة الى القضاء الأوروبي حول اتفاقية الصيد البحري. ورغم نوعية الحكم الصادر الأربعاء إلا أنه هناك غموض لأن اتفاقية التبادل الزراعي لم تشر الى الصحراء، بينما اتفاقية الصيد البحري تتضمن بنودا خاصة بالصحراء فرضتها الدول الاسكندنافية وبريطانيا، ومن هذه البنود تلك التي تنص على تخصيص جزء من التعويض المالي لساكنة الصحراء.
وعليه، فالحكم المقبل للمحكمة الأوروبية قد يعتمد على حكم 21 ديسمبر الجاري لتطبيقه في اتفاقية الصيد البحري، كما أنها قد تقدم تأويلا مختلفا بحكم ورود منطقة الصحراء في الاتفاقية.
ومن جانب آخر، يساهم الحكم الصادر يوم الأبعاء من الأسبوع الجاري في استقرار العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي وتجنبيها هزات سياسية على المدى القريب والمتوسط لأن المفوضية الأوروبية كانت قلقة من تأييد المحكمة الحكم الابتدائي، وكانت قد أعدت نسخة جديدة من الاتفاقية تحسبا لهذا الطارئ، وكانت تخشى توتر العلاقات مع جار تعتبره استراتيجيا خاصة في ظل تطورات الهجرة والإرهاب.
ألف بوست.































