صدر للقاص المغربي عبد الله المتقي مجموعة قصصية بعنوان “الكرسي الأزرق” منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن مسيك سنة 2005م، وهي تتكون من ثمانية وخمسين نصا قصصيا قصيرا موزعا على مساحات نصية تختلف من حيث الطول والقصر، ومرتبة ترتيبا موضوعاتيا حيث منح القاص لكل مساحة نصية عنوانا يكاد يلخص مضمون القصة، ويفتح شهية القارئ للتعاون مع منتج النص في بناء المعنى، وتشييد القوانين الداخلية المتحكمة في البنية العميقة للسرد.
إن القارئ النموذجي للقصة القصيرة جدا سيقرأ متن “الكرسي الأزرق” باعتباره نصا واحدا لأن كل مساحة نصية تحتوي قصة قائمة الذات تأسر العقل والوجدان لكونها تحيل على أحداث واقعية وصراعات مجتمعية، وتتفاعل مع عوالم تخييلية تتيح للذات أن تعبر عن أعماقها وما يختلج في وجدانها.
إن القصة القصيرة جدا كما تمثلها عبد الله المتقي وارتوى بمائها مبكرا فن واعد يتيح للقارئ الانخراط بشكل ايجابي في شؤون وشجون المجتمع المغربي عبر نسخ أسئلة دقيقة من خلال متن فني ومتنوع يسائل في العمق شرائح اجتماعية تجد نفسها مرغمة في الانخراط فيما ينعت بروح العصر.
إن هذا الفن الواعد يستفيد من طاقات إبداعية وتعبيرية، وتخييلية سابقة، ويجرب في الوقت نفسه إمكانيات سردية جديدة تنزاح عن الثقافة النمطية الضيقة، ويزيل اللثام عن الطابوهات من قبيل مسألة الحرمان العاطفي والجنسي، وبدأ يزدهر في سياق اكتساح وسائط الإعلام والتعابير الإلكترونية للساحة الثقافية، بل إنه صار وسيلة للتنفيس عن أجيال واسعة من الشباب على امتداد المجتمعات العربية، لأنه يساءل الوجود وعبثية الحياة.
إن القصة القصيرة جدا عند عبد الله المتقي تتشابه مع أنواع سردية كثيرة على الرغم من تنويعاتها الشديدة الخصوصية، فهي تتشابه مع السيرة الذاتية وتنويعاتها مرورا بالعجائبي والغرائبي وصولا إلى الأنماط السردية الحديثة والمعاصرة .
ففي قصة “جثة جافة” يلخص السارد العليم حوالي قرن من السرد تحيل عليه شخصية ” الشيخ عبد الباقي”. وزمن القصة تحيل عليه عبارات دالة ومركزة هي بمثابة مقاطع سردية دالة على الحالة من قبيل: في الصباح، سمع الشيخ عبد الباقي طرقا على الباب ( الباب قفله صدئ، وكثيرا ما يتعطل)، مشى يلهث بطيئا، ثم فتح الباب، كان ساعي البريد
( ساعي البريد بدوره يحمل وراء ظهره ستة عقود من الرسائل وحقيبة قديمة)، يسلمه رسالة مضمونة يمحي وحيدا…”[1].
على الرغم من أن السارد يبدو ساردا عليما إلا أنه لا يفصل القول في هذه المسارات الزمنية، ويعول كثيرا على القارئ النموذجي لتوسيع دائرة التأويل، ويحدد معالم المسكوت عنه من قبل شخصيتين هما : ” الشيخ عبد الباقي” و ” ساعي البريد” .
وعلى القارئ أن يحقق موسوعته الخاصة ليمنح لفعل السرد دلالات تحيل على الزمن الغابر ( مشى يلهث بطيئا- يحمل وراء ظهره ستة عقود من الرسائل…، انتظر الشيخ عبد الباقي كثيرا- في صباح اليوم الثاني، لم يسمع الشيخ عبد الباقي طرقا على الباب، تعطلت كل الحواس ” الحواس جثة جافة” [2].
إننا أمام متتاليات نصية تلخص لحظات زمنية دالة في حياة الشخصيات، ومن ثم فإن القارئ سينجز عملا استدلاليا للربط بين المفاصل الزمنية على اعتبار أن النص القصصي هو نسيج من الفضاءات البيضاء والفجوات التي تنتظر من يملأها ، أي إن المرسل السارد يعول على قارئ مفترض لملئها، وفي هذا السياق يجب أن نستحضر أن القصة القصيرة جدا هي إوالية تعيش على فائض المعنى لأن وظيفتها ليست تعليمية بل وظيفة جمالية تترك للقارئ المبادرة التأويلية لخلخلة معنى الزمن في مختلف أشكاله، أي إن البعد الزمني في القصة القصيرة جدا يحتاج إلى من يساعده للاشتغال.
إن السارد باعتباره مرسلا للنص يتركه عرضة لعدة أفعال من التأويل؛ وهذه الأفعال تجد سندها في متواليات سردية تحيل على الزمن الماضي.
“وقفا قريبين من محطة القطار، تفحصت عينيه البنيتين، تلمظت شفتيها، تمنت من أعماق قلبها…” [3]، ثم ينتقل السارد بالملتقي إلى الزمن المضارع ” سيظلان تذكارا منسيا على جدار غرفة بدون ستائر باذخة “[4] .
هذا الانتقال المفاجئ من الزمن الماضي إلى الزمن المضارع يحتم على القارئ أن يجد علاقة مناسبة بين العنوان ونهاية القصة، وهي علاقة ينبغي ألا تخرج عن التواصل اللساني بالمعنى الدقيق للكلمة. ولتحديد هذه العلاقة بشكل دقيق يلزم القارئ أن يكثف نشاطه السميائي بالمعنى الواسع مستعينا بأنظمة من العلامات يكمل بعضها البعض، وهذه العلامات هي محطة القطار، رائحة البحر، جنون الغجر، أعين النهاريين، صفير القطار، قارورة العطر، جيب الجاكيته- تذكارا منسيا – جدار غرفة بدون ستائر باذخة … إن القارئ سيعيد بناء القصة انطلاقا من العلامات السميائية التي توفر له إمكانيات تأويلية لا توجد بالضرورة في الأنظمة والقواعد اللسانية بل تتعداها لتشمل أشكالا من التواصل الشفهي.
وعموما فإن النص القصصي يقترح علامات سيميائية هي بمثابة مؤشرات تساعد القارئ المفترض على إعادة بناء النص وتعيينه، وتحقيق فعل السرد؛ أي إن المؤلف/ السارد
يعول كثيرا على القارئ النموذجي للتنبؤ بمسارات فعل السرد، يتجلى ذلك واضحا في اختيار اللغة، واختيار نمط الموسوعة أو السجل واختيار الأسلوب.
وقصة” جاكي ” واحدة من القصص التي ينبغي خلخلة بنائها للتعرف على هوية ” جاكي” وهذه الخلخلة موكولة لأمر القارئ الذي عليه أن يستعين بالأسلوب المباشر الذي يتبناه السارد بغية تأويل بؤرة الفضاء المكاني باعتباره المنفذ الذي يلج من خلاله إلى العوالم الداخلية للشخصية” جاكي” وهذا لن يتأتى إلا برفع القلق عن العبارات التي تحيل على البنية المكانية في علاقتها بهذه الشخصية، ثم السجل الموسوعي للقارئ ينبغي أن يستضمر قوانين اللغة الشعرية الانزياحية لإعادة صوغ الأفعال السردية من منظور جديد يعيد
للفضاءات المكانية بهاءها ورونقها لأنها تسلط مزيدا من الضوء على نفسية ” جاكي” المتأزمة التواقة إلى التخلص من الماضي البعيد.
“خلف السيدة جاكي معطف سميك، وقبعة سوفياتية، ونفس الدمية تحدق في نفس الاتجاه، منذ سنة تقريبا”[5].
وقد عنون المؤلف/ السارد قصته الرابعة ب ح م ا م، وأول ملاحظة تستوقف القارئ الفطن في هذا العنوان هو أنه كتب بخط كاليغرافي يعتمد حروفا هجائية منفصلة على مستوى الشكل، ولكنها تدل على مدلول هو ” الحمام”، وما حملنا على هذا التأويل هو بداية القصة أي المقطع السردي الأول: “حمامتان رشيقتان، تهذلان، ترفرفان، وطفل يكاد يطير فرحا”[6]، وهذه القصة يمكن أن نصنفها ضمن النصوص المفتوحة، لأنها وصف لسلسلة من الأحداث الممكنة، وإن كانت هذه الأحداث وقعت على مستوى الحلم، فالقارئ لا يجد أدنى صعوبة للتحرك في النص بطريقة تعمل على بنائه من خلال قراءة ممكنة محدثة متعة لا نهائية لأن مقاطعها السردية من قبيل: فرح الطفل بالحمامتين المترفرفتين، لعب الطفل، حلمه بحديقة الحمام، استمتاعه برفرفة الحمام، مشيه الرشيق فوق العشب، مرور سرب من الطائرات الحربية، اختفاء الحمام، استيقاظ الطفل من النوم خائفا- تتضمن عبارات توحي بالطريقة التي يفكر بها المؤلف / السارد من حيث اختيار اللغة، واختيار نمط الموسوعة واختيار المعجم والأسلوب، ومن ثم فإن القارئ يتوفر على نفس القدرات التي يتوفر عليها المؤلف، وكلاهما يتعاونان من أجل تحقيق النص إما عن طرق التوليد أو التأويل.
إن قصة “حمام” تمنح القارئ فعل مبادرة خارجية هادئة لاستعمال النص بالكيفية التي يريدها، فالقارئ بهذا المعنى لن يكون إلا مثل الطفل الذي يتغنى بالسلم والسلام، وينبذ الحروب التي لم تعد تجدي في زمن يختفي فيه الحمام كرمز للسلام، وتحلق الطائرات الحربية بكل دلالاتها السلبية ( الرعب، الخوف، عدم الاطمئنان، انهيار القيم الإنسانية)، مما يجعل أفق انتظار القارئ يتكسر تماما كما تكسر أفق انتظار الطفل البريء، وهو يرنو إلى غد مشرق ومستقبل يعمه السلام، لكن هيهات أن تتكسر الأزمنة الرديئة؛ أزمنة الحروب المشتعلة في كل صوب وحدب.
إن قصص عبد الله المتقي لا تكتفي بنقد الواقع الناغل من حولها، بل إنها تبحث عن وعي ممكن يشيده القارئ انطلاقا من المؤشرات النصية التي وفر لها المؤلف/ السارد كل مقومات النجاح لتشييد عوالم نصية بتعاون مثمر بين المرسل والمرسل إليه أي بين الباث والمتلقي .
الهوامش:
1-” الكرسي الأزرق”: ص 7
2 نفسه ص: 7
3 الكرسي الأزرق، ص: 8
4 نفسه، ص : 8
5 الكرسي الأزرق، ص: 9
6 نفسه: ص 10































