مع بداية الألفية الثالثة، ومنذ تولي الملك محمد السادس الحكم، اعتقد الكثير من المتتبعين أن نظرة المخزن إلى الريف تغيرت. حيث بعد أزيد من أربعين سنة من التهميش والإقصاء، شهد الريف مع الزيارات المتكررة للملك إلى المنطقة عدة ″أوراش″ مهمة من قبيل الطريق الساحلي، الطريق السريع الحسيمة-تازة، نواة جامعية بالناظور والحسيمة، مشاريع سياحية….
ولهذا اعتقد الجميع أن تلك ″السياسة الجديدة″ قد رممت جروح الماضي التي خلفتها صراعات وتوترات تاريخية بين الريف والمركز ، وأن صفحة جديدة فتحت في وجه جيل جديد من الشباب، تحرروا من عقدة أجدادهم الذين عايشوا جرائم النظام في حق الريف سنتي 1958-1959 و 1984…
إلى أن جاءت أحداث الريف مارس 2012 لتدحض تلك الفرضية لنرى أن النظام المخزني قد حط بالريف مرة أخرى بوجهه الحقيقي، وأعاد سيناريو أحداث الماضي، و جرح الريف من جديد: اقتحام البيوت ليلا، اعتقالات تعسفية، التهديد بالاغتصاب، الفاظ نابية وعنصرية، اقتحام حرمة المؤسسات التعليمية، سرقة ممتلكات السكان، أحكام قاسية ضد المعتقلين….
إن كل هذه الجرائم وقعت في زمن أعتقد فيه المخزن انه قد تجاوز محنة الربيع المغاربي بمنطق “الاستثناء المغربي” و″الإصلاح في إطار الاستقرار″، وذلك بعد إقباله على خطة استباقية آلت إلى مراجعة الدستور وإجراء انتخابات سابقة لأوانها، أوقعت على غرار الدول التي شهدت الثورة كتونس ومصر الحزب الإسلاموي على رأس التحالف الحكومي.
إذن أمام هذا الوضع السياسي الجديد للمغرب، و أمام الجرائم التي أرتكب من جديد في الريف، تثير مجموعة من الشكوك حول من له مصلحة في تخريب الريف وإعادة سيناريو الماضي مرة أخرى؟ هل يتعلق الأمر بتجاوزات بسيطة ارتكبت من طرف القوات العمومية في إطار تدخلها من اجل تطبيق القانون وإعادة هبة الدولة؟ أو يدخل في إطار صراعات سياسية بين أطراف ذات مصالح متناقضة كما ذهبت إلى ذلك بعض الأوساط؟.
كيف ما كان الأمر، وان كان وراء الأحداث حزب معين يستفيد سياسيا من المعركة من اجل ضرب خصومه السياسيين، أو شخص معين يريد تصفية حسابات شخصية مع أصدقاء الأمس. فإن دور الدولة بكل أجهزتها يجب أن تحمي الشعب من كل التأثيرات المحتملة من الصراعات السياسية التي غالبا ما يكون الهدف منها تثبيت مزيد من المكاسب الخاصة والوصول بسرعة إلى دواليب السلطة. لأن المنطق السياسي لا يتماشى دائما مع تنمية ورفاهية الشعوب بل غالبا ما تحركه فطرة الوصول إلى الحكم ولو على حساب قهرهم.
ولهذا يجب أن نتعامل مع واقع يعرف غليان شعبي، يقوده مجموعة من الشباب يمتلكون ما يكفي من الوعي الثقافي والسياسي، عوض أن نخوص في منطق المآمرات والتشكيك في نوايا المحتجين. وفي نفس الوقت يجب أن نعترف أن احتجاجات الريف وإن تبدوا ظاهريا بسيطة تحركها مجموعة من المطالب الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن في باطنها تحمل مشروعا بديلا عن 50 سنة من سياسة التهميش والتهجير والترقيع والسياسات الأمنية والقمعية الرامية إلى تركيع الريف ومحو أمجاده وتاريخه.
وهي احتجاجات لا يمكن فصلها عن واقع المجتمع الريفي، وعن مجموع التمردات والانتفاضات والمظاهرات ذات البعد الجماهيري التعبوي، التي عرفها الريف منذ الاستقلال الشكلي، كانتفاضة الريف 1958-1959، وانتفاضة يناير 1984…وإن كانت التحولات التي عرفتها شمال أفريقيا والشرق الأوسط بصفة عامة سنة 2011 ساهمت بشكل كبير في بروز حركات احتجاجية واسعة في كل مناطق الريف.
حركات شملت مجموعة من المناطق كإمزورن وبوكيدارن والحسيمة وأربعاء تاوريرت والدريوش وميضار وتماسينت وتمسمان والعروي وأكنول والناظور وطنجة…. إلا أنها أخذت مسارا متميزا وأكثر تصعيدا في ايث بوعياش بعدما أغلق المسؤولون أبواب الحوار في وجه المحتجين. حيث أمام إصرار هؤلاء على تحقيق مطالبهم، لجئوا إلى الاعتصام في المرافق العمومية كالباشوية ومقر البلدية والمكتب الوطني للكهرباء وقطع الطريق الوطنية رقم 2، وهذا ما أخذته الدولة حسب روايتها الرسمية كمبرر للتدخل تحت ذريعة المحافظة على أمن ومصالح السكان ومعاقبة من وصفتهم ″بقطاع الطرق″.
إلا أن الواقع يبين أن الدولة هي التي أرهبت السكان وسرقت ممتلكاتهم، وانتهكت حرمة المنازل والمؤسسات التعليمية وهددت النساء والرجال بالاغتصاب، وأصدرت أحكام قاسية وصورية ضد مناضلين مشتاقين إلى الحرية والكرامة. مما يدل أن التدخل اتخذ كإجراء عقابي أكثر مما هو قانوني، خصوصا عندما وجد النظام نفسه أمام واقع ليس ضد مجموعة من المحتجين في آيث بوعياش تحركهم مطالب اجتماعية بسيطة، بل اصطدم مع ريف بكل حمولته التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية.
فالدولة ارتبكت عندما وجدت نفسها أمام ″شعب″ ريفي يملك ذاكرة تاريخية مشتركة، وفطرة ورغبة جماعية في العيش المشترك وتكوين ″أمة الريف″حيث:
– محتجون في آيت بوعياش التجئوا إلى الجبال وصفهم البعض ″بالثوار″ أعلنوا عن استعدادهم للتصدي للمخزن على خطى مولاي موحند ومحمد رحاج سلام امزيان، حيث رفعوا علم جمهورية الريف عاليا كإعلان عن الرغبة في إعادة انتصارات وأمجاد الماضي.
– ساكنة إمزورن وبوكيدان خرجوا بدورهم إلى الشارع للتضامن مع إخوانهم في بوعياش، ونالوا نصيبهم من القمع والاعتقال وسرقة ممتلكاتهم الخاصة. وما كان على الريف الجغرافي إلا أن ينتفض ويتحرك من جديد في كل من طنجة وتطوان والناظور رافعين شعار″ هذا عار هذا عار الريف في خطر″. وقافلة تضم مجموعة من الحقوقيين والمثقفين تنطلق من طنجة والعرائش وتطوان صوب مناطق بوعياش وإمزورن وبوكيدارن من أجل تحريرها من جحافل القمع والتخفيف من معاناتها تحت شعار″المخزن برا الريف أرض حرا″.
– الجالية الريفية في العالم حشدت كل قواها من أجل توجيه خطاب واضح إلى المخزن وهو ″لا تمس الريف″ و″وكلنا بوعياشيين″، رافعة علم جمهورية الريف والعلم الأمازيغي للتعبير عن قوة ارتباطها بالريف الكبير ذو الهوية الامازيغية، واستعدادها للتضحية من أجله. فيها الرجل المثير للجدل والبرلماني الريفي السابق سعيد شعو الذي اتهمته المجلة المغربية أسبوعية ″الآن″ في عددها الأخير ″بالشيطان وراء أحداث بوعياش″ والذي ظهر في إحدى الوقفات الاحتجاجية في هولندا يتوسط بين العلمين الريفي والأمازيغي.
– التمجيد بالتاريخ الريفي خصوصا انتصارات مولاي موحند في” أنوال” و″ ادهار اوبران″ وانتفاضة 1958-1959 و1984…، والمطالبة بأحيائه وإعادة كتابته في إطار الحفاظ على الذاكرة الجماعية، وعيا منهم بأن المطالبة بالتغيير السياسي والاجتماعي يصاغ بالماضي المثالي.
– مفاهيم قومية استعملت من طرف مكونات الحركة الاحتجاجية بالريف و الخارج مثل: الشعب الريفي، الثورة الريفية، الجالية الريفية، اللغة الريفية، الحكم الذاتي للريف، العلم الريفي…. وبدوره المخزن تعامل مع الريف كجزء قومي يعادي الدولة، والدليل على ذلك المصطلحات النابية والعنصرية التي أطلقتها بعض عناصره من قبيل ″اروافة أولاد الصبنيول″ و″ الأوباش″ و ″ نخربوا هاد الريف″….
– تنظيمات حقوقية ذات بعد جهوي وقومي تحركت بحماس كجمعية الريف لحقوق الإنسان وحركة من أجل الحكم الذاتي للريف ومنتدى شمال المغرب لحقوق الإنسان الذي ينتمي إليه قائد سفينة الاحتجاجات في آيث بوعياش محمد جلول الذي حكم عليه مؤخرا بستة سنوات حبسا نافذة، مدة تطرح أكثر من علامة استفهام عن وجود نية متعمدة للنظام للانتقام من هذا الرجل ليس إلا انه اشد المدافعين عن هوية الريف الكبير.
– جهات وإن تعمل داخل المدار المخزني، سارعت إلى إصدار بيانات تحذر فيها الدولة من تكرار ممارسات الماضي منها: المكتب الإقليمي لحزب العدالة والتنمية بالحسيمة، جمعية الريف للتنمية والتضامن ″أريد″، جمعية الريف للتنمية المستدامة، البرلماني ورئيس جهة تازة الحسيمة تاونات محمد بودرا، عبد الحق أمغار البرلماني عن الحسيمة…
– طلبة ريفيون في جامعات مغربية مهما بلغت حدة الصراعات الاديولوجية فيما بينهم، حركهم الوازع القومي وخرجوا للتنديد بقمع الريف. وأقلام مثقفين ريفيين في الداخل والخارج بدورهم تحركت، حللت واستنتجت وقدمت إجابات عن المشاكل العويصة بالريف.
إذن كل هذه التجليات تبين أن الاحتجاجات وإن كانت تحمل في ظاهرها مطالب بسيطة، فإن التعاطي الأمني والقمعي مع هذه المطالب يحرك الشعور القومي والجهوي الريفي،لإحياء التاريخ المجيد للريف ورموزه التاريخية وإصلاح سمعتها المفقودة بفضل سياسة الدولة التي ربطت الريفيون بتجارة المخدرات والتهريب.
وما سحب الدولة لقواتها من الريف بسرعة وشروع والي الجهة في فتح حوار مع المحتجين وبعض جمعيات المجتمع المدني إلا دليل عن ورطتها وشعورها بخطورة الأمر والخوف من أن يتخذ الحدث منحى أكثر خطورة والمطالبة جهرا بالانفصال، لأن النظام اكتشف أن الريف بمثابة الجمر الذي يرقد تحت الرماد، كلما هبت الريح وتوهج الجمر مثل بركان يمكن أن يقذف بحممه في أية لحظة.
ولهذا يبقى سبيل الدولة هو الاستفادة من تاريخ الريف بصفة عامة وأن أحداث الريف 2012 بصفة خاصة، وإحداث قطيعة مع سياستها الأمنية والقمعية مع الريف، والقيام بإصلاحات هيكلية مدخلها إقرار جهوية سياسية تعطي جميع السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى الريفيين في إطار الوحدة الوطنية.
فالنظام عوض أن يذهب في اتجاه تركيز السلطة والثروة في يد أقلية عائلية منبثقة من الحركة اللاوطنية، يجب أن يستفيد من عدة تجارب مقارنة التي استطاعت أن تدبر التنوع الثقافي واللغوي والعرقي في اتجاه ايجابي وفي إطار ديمقراطي جهوي، وعلى سبيل المثال جارتنا الاسبانية التي استطاعت أن تخطوا خطوات متقدمة في مجال الديموقراطية بفضل تكسير مركزية فرانكو وتوزيع السلطة والثورة على الجهات بشكل عادل ومتضامن.































