تشكل تغذية الطفل بصفة عامة، والرضيع بصفة خاصة، عاملا حاسما في تمتعه بصحة جيدة ونمو سليم طوال حياته، وتشهد السنة الأولى من حياة الطفل نموا جسديا ووجدانيا له انعكاسات إيجابية على مستقبل الطفل، وهو مما يستلزم تمكينه من تغذية متوازنة توفر له كامل العناصر الغذائية الأساسية وكذا محفزات المناعة.
ويجمع الخبراء على أن حليب الأم يشكل غذاء متكاملا ومتناسبا تماما مع متطلبات النمو السليم للطفل وحمايته من أمراض المعدة والحساسية بمختلف أشكالها، وقد أكدت الدراسات الطبية أن الطفل الذي يعتمد أساساً على الرضاعة من ثدي الأم يكون احتمال مرضه أقل بنزلات البرد .. والكحة .. والإسهال… أما إذا كان الطفل يعتمد على الرضاعة الصناعية فإن احتمال إصابته بهذه الحالات يكون أكبر.
وقد أكدت الإحصائيات أن الرضاعة الطبيعية خلال الستة شهور الأولى من عمر الطفل تضمن له صحة جيدة خلال الستة أشهر التالية، كما تؤكد الدراسات الحديثة أن الإستعمال المبكر للحليب الصناعي والأغذية الأخرى، وخصوصا في الأشهر الأولى من حياة الطفل يعرضان هذا الأخير لأمراض خطيرة وقاتلة، ومن جهة أخرى فإن الأمهات المرضعات يتعرضن بنسب أقل لبعض أنواع السرطان، وكذا مشاكل السمنة، ومخاطر الحمل المتقارب.
ولابد من الإشارة أيضا إلى أن اقتناء الحليب الاصطناعي يثقل كاهل الأسر بمصاريف إضافية هي في غنى عناها، وبالرغم من هذه المعطيات المهمة فإنه يلاحظ للأسف الشديد انحسار عدد الأمهات المرضعات، وزحف الحليب الاصطناعية والرضاعة المختلطة، وفي هذا الصدد تشير الإحصائيات في أوربا أن الأمهات اللواتي يلجأن إلى الرضاعة الطبيعية في الأشهر الأولى من حياة أطفالهن يقاربن 50% بينما لا يتجاوز نسبتهن 15% في المغرب … ومن بين الحجج التي تساق من بعض الأمهات في تبريرهن لهذه الرضاعة، عدم كفاية حليب الأم، وظروف العمل والإنهاك الجسدي بفعل المرض، كما أن بعضهن يعتقدن خطأ أن الحليب الصناعي له فوائد أكثر أهمية من حليبهن.
إن هذه الوضعية تحتم على العاملين في صحة الأم والطفل التدخل لإقناع الأمهات بضرورة الإرضاع، وذلك عبر التعريف بفوائد حليب الأم عبر وسائط الإتصال المختلفة، بل وحتى المناهج الدراسية، ويجب إعداد المرأة للرضاعة الطبيعية قبل أو مع المرأة وضعها لمولودها أي أثناء متابعة الحمل من قبل الطبيب المعالج عبر توعية المرأة الحامل بأفضال حليبها بالنسبة للطفل وإعدادها نفسيا لتلك العملية
ولابد من الإشارة هنا إلى أن الرضاعة في الستة أشهر الأولة من حياة الوليد يجب أن أن لا تكون مقرونة بأي أغذية أو سوائل أخرى إلا بعد الشهر الرابع وحتى السادس
ومن أجل إعادة الإعتبار للرضاعة الطبيعية فقد أعلنت كل من منظمة الصحة العالمية واليونسف عام 1991 مبادرة “المستشفيات الصديقة للرضع“، وتهدف هذه المبادرة إلى تشجيع الرضاعة الطبيعية عبر سلسلة من الإجراءات تلتزم بها المستشفيات، وبعد تمكين العاملين بها والأمهات من بعض التقنيات والمعارف والشروط الملائمة للنساء اللواتي يرزقن بمواليد جدد من أجل تقديم حليبهن لأطفالهن هذا مقابل الحصول على شهادة “مستشفى الصديق للرضيع”
وفي الأخير لابد من التذكير أن انحسار الرضاعة الطبيعية في بلد كالمغرب في العقود الأخيرة يستوجب من الجميع بذل مجهودات جبارة، وذلك من أجل إعادة ترسيخ هذه العادة في ثقافتنا بعدما كانت كذلك لقرون، والتي أصبحت للأسف الشديد تتراجع بفعل الهجوم الكاسح للثقافة الاستهلاكية التي تحركها الشركات الصناعية الكبرى، والتي لا تهدف إلا إلى الربح ولو على حساب صحة ومستقبل أبنائنا.
وقد أثبت الأخصائيون النفسانيون بأنه من المهم جدًا أن تبدأ الأمهات في عملية الرضاعة بعد الولادة مباشرة، لأن ذلك يعمل على أن يحيا الطفل حياة نفسية وعاطفية هادئة ومستقرة كما أن لعملية الإلتصاق الجسدي بين الطفل وأمه أهمية كبيرة في صناعة وشائج عاطفية بينهما، وهذه الروابط تمنح الأطفال شعورًا بالأمان النفسي والراحة الجسدية التي تساعد الطفل على أن ينمو نموًا متوازنـًا وطبيعيـًا ومما لا يخفى على أحد أن كثيرًا من الحواجز النفسية وحالات الحرمان العاطفي والتفكك الأسري التي تفشت في الدول الغربية ترجع إلى انعدام العلاقة العاطفية والوشائج النفسية بين الأطفال وأمهاتهم في أيام ولادتهم الأولى، وذلك لعدم قيام معظم الأمهات بإرضاع أطفالهنَّ .































