محمد أحداد
الموت صُوِّر هذه المرة على المباشر. بتقنية عالية وبجودة أعلى، صوَّر شبانٌ مفجوعون أصدقاءهم وهم ينجرفون بالمياه من فوق سور هش. هكذا على الأقل نعرف الحقيقة، نعرف ما جرى دون مساحيق ودون أن تكذب علينا التقارير الرسمية التي تزين الأمور ولو تعلق الأمر بزلزال…
رأينا الحقيقة عارية، وكاملة: فتية شغوفون بالكرة دخلوا إلى الملعب سعداء وباتساق كبير، ثم اختفوا فجأة بسبب فيضان وادٍ مفاجئ، جرف شبانا وجرف معهم أحلامهم، هكذا دفعة واحدة. لم يكن للوادي مجال جريان آخر، فقد مر من مساره الطبيعي، أما غير الطبيعي فهو أن يشيد ملعب لكرة القدم فوق وادٍ.
الفيضانات قدر طبيعي، والأقدار الطبيعية لا ترد لكنها تقاوم، فالإنسان طور غريزة البقاء، وكان دائما ميالا إلى تطوير قدرته على تطويع الطبيعة ويتهيأ لمفاجأتها، لكن ما حدث أول أمس في تارودانت، هناك في أقصى المغرب العميق أسفل الوادي، كان مأساويا: المسؤولون والمنتخبون ينتمون إلى العهود الغابرة، ولم يدركوا بعد أن السياسة ليست مجرد كلام فارغ يُسوَّق يوم الانتخابات، ولم يدركوا بعد أن خدمة المواطن وسياسة القرب وكل هذه الشعارات التافهة لا تعني أن تسلم شواهد الازدياد والحياة والموت في المقاطعات، بل تعني فعلا نبيلا يوفر للمواطنين الكرامة ويضمن لهم الأمن.. والحد الأدنى من العيش الكريم ولو في النهر.
ولولا “اللايف”، لذهب التحقيق -كيفما اتفق- إلى أبعد مدى دون أن يظهر أبدا لأن الدولة -ماعدا في مرات قليلة- لم تنشر يوما نتائج التحقيق أو رتبت الآثار القانونية، بل إن التحقيقات تحولت إلى وسيلة للإفلات من العقاب، وفي أقصى الحالات تسقط بعض الرؤوس الصغيرة فيما تستمر منظومة حماية المسؤولين الحقيقيين؛ والأمثلة في هذا الباب لا يمكن حصرها: حدث ذلك في الحسيمة يوم سرب امتحان الرياضيات، ويوم ماتت 15 امرأة بحثا عن حفنة دقيق، وفي قطار طنجة، وفيضانات الجنوب، واحتراق الحافلة،… كلها تحقيقات تبخرت لأن انتشار الفساد من طبائعه الأساسية “التشابك”، وقد يتبخر تحقيق “الوادي” مادامت أحداث كبيرة طمست أو قيدت ضد مجهول…
في ظل الخلل الموجود على مستوى أبسط قواعد الحكامة في التدبير، غالبا ما تتحول المساءلة والمحاسبة إلى مجرد كوميديا سوداء؛ ففي ظل منظومة سياسية وإدارية ترتكز على مستويات ضيقة لصناعة القرار وقاعدة واسعة من “أعوان التنفيذ” يوجدون على رأس الوزارات والمؤسسات والمقاولات العمومية، هم هناك فقط للتباري والتنافس في تنفيذ التعليمات، لهذا يجب ألا نستغرب عدم إقدام “المسؤولين” عندنا على تقديم استقالاتهم بعد كل كارثة تحدث، فهم لا يستطيعون ذلك، لأن ترسيخ هذه الثقافة يناقض الأسس التي تقوم عليها المنظومة ككل.
لجان التحقيق التي غالبا ما تكون مفتوحة على أفق زمني غير محدد، هي أيضا تعبير عن ضعف شديد في تقييم السياسات، سواء على المستوى السياسي أو على المستوى القانوني، إذ إن كثيرا من الحوادث كان يمكن تجنبها لو توفر قدر بسيط من الحس السياسي لدى مختلف الأطراف.
إذا توهم المسؤولون أن الكوارث يمكن التعاطي معها بنفس المنطق الذي يتعاملون به مع المواطنين ومع الحياة السياسية، فإنه سيأتي يوم يفنى فيه المغاربة دفعة واحدة، ولن يبقى في هذه الأرض سوى بعض الأطلال.. فماذا لو قدر الله أن يعيش المغرب عاصفة مثل تلك العواصف التي تضرب بلدانا كثيرة في العالم: ما الذي ستفعله الدولة؟ وكيف سيتعامل المنتخبون مع هذا القدر الإلهي؟
لنقلها بشكل صريح: ما حدث أول أمس فضيحة حقيقية تغني عن مئات التقارير التي يمكن أن تصدر عن المؤسسات الدولية، وتغني عن تحليلات الصحافيين والسياسيين؛ والدولة مرة أخرى لا تتعلم من الدرس القديم: الأنهار لا تنسى مساراتها.































