نشهد هذه الأيام فائض الحضور الاصطناعي لكائنات تقصف الرأي العام بخطابات وصور خطيرة لم نألفها حتى في عز عهود سنوات الرصاص، فهذا يحرق جواز السفر والآخر يعلن إسقاط الجنسية ويتبعه آخرون بإحراق العلم المغربي.. إنها عربدة سياسية لا علاقة لها بالنضال والدليل على ذلك أن هؤلاء لما تحاججهم عن دواعي ارتكابهم لهذه الخطأ يقولون إنه نتيجة للقمع والاستبداد والاعتقال والعنف وما إلى ذلك وهو الذي دفعهم إلى التمرد على كل شيء، وهو تبرير يحمل في طياته ما يسفّه من يقف وراء هذه السقطة المخزية، فلا نجد لهذا التبرير من مثيل سوى ما يدعيه الشخص الذي يدمن على المخدرات الصلبة ويعاقر الخمور بشراهة ويبرر ذلك لكونه يعيش ضائقة مالية !
إن الوطن ليست مزرعة تحرثها كما تشاء، فالناس يتصارعون من أجل هذا الوطن الذي يجمعنا جميعا، لكي نجعله وطن للجميع، وليس وطن الطغاة وحدهم، والانتماء إليه لا يخضع لأمزجة رجل الأعمال، يعني بلا مبادئ، ومنطق الصفقات التجارية، وحتى ذلك العلَم الذي يقال عنه أنه من صنع ليوطي هو العلم الموجود الآن كرمز للوطن، والأدهى من ذلك ان جل الأعلام الوطنية للدول العربية والمغاربية صيغت في عهد الاستعمار والعثمانيين، فبماذا نفسر اعتداد شعوب هذه الدول بأعلامها ورفعها أثناء التظاهرات وعزوف شرذمة شاذة تتجرأ على رفع أعلام دول وجهات أخرى نكاية عن علم بلدهم بل وإحراقه أمام أنظار الكاميرات العالمية في مشهد أشبه بكوميديا هزلية؟ أليست هذه سخافة سياسية لا تغذي سوى الأجنحة الأمنية التي تتاجر في الاحتقانات والتوترات السياسية والاجتماعية في بلد لا يعاني من نقص الأموال والموارد بل من زيادة في عدد اللصوص الذين يغتنمون هذه الفرص لتمتين وجودهم في بحر الفساد الذي زاد استشراء وتغولا. بل تزيد في توطيد وجود نخب جبانة سياسيا تتلون كالحرباء وهي أشبه بزواحف بشرية شهيتها مفتوحة على جشع لا يعرف الشبع !
إن الفيسبوك ومختلف وسائل التواصل الحديثة هي بلا شك سلاح ذو حدين، فهي توفر الظروف المواتية من أجل التعلم أحسن وبسرعة قياسية لكنها في نفس الوقت ، وهذا هو الحذر الذي نريد إثارة مخاطره على الإنسان، يمكن أن تكون وسيلة لتدمير البشر.
فكل تقدم له كلفته وثمن لابد من دفعه، وله ضحايا كذلك، ويمكن أن تكون النتيجة كارثية بعض الأحيان، لا سيما عندما يصبح الشعب بأكلمه تحت رحمة إشاعات كثيفة التي يمكن أن يخرج منها ما يشبه بالبلاء الأعظم حيث الجميع يجري ويعسعس ” من عسعس” دون آن يعرف ما هو المستقر والهدف، ونحن فعلا اليوم أمام لوحة عصية عن القراءة أشبه بلوحة رسام ماكر ينتحل الصفة بتلويثه للمساحات الفارغة بألوان مزركشة حتى يخلق الدهشة أمام الناظرين ويمرر عبثيته في صورة فنية، وهي لا تعدو أن تكون استعارة مضللة. إنه الانحلال الذاتي والانحشار في الزاوية الضيقة لحركة اجتماعية بدون هدف سوى طغيان فردانية أنانية بجموح شخصاني، فليس أسوأ استبداد من ذلك الشخص الذي يعمل بطرق الديماغوجية لإغواء الناس وتمرير الوهم والأكاذيب لإدامة الاستبداد السياسي. وكما يقال فالثورات يخطط لها المثاليون وينفذها الشجعان ويسرقها الانتهازيون.
لكن بالمقابل لابد من إثارة الانتباه إلى أن الدولة والسلطات لم تستوعب بعد النقد الموضوعي الموجه لها من طرف العقلاء وأصحاب المبادرات الصادقة وتمضي في سياسة الادعاء أن لكل سم ترياق، ولم تقتنع بعد أن الحل الأمني وحده يمكن أن يخمد الاحتجاج لكنه لا يستطيع حل المشاكل، فالحلول تأتي من الارادة على فتح الحوار والنقاش السياسي بدون تسييد عقلية المنتصر في قضايا الوطن.
ألتبريس































