الاستاذة سعاد الادريسي
حينما يتحول الموت من حرمة مقدسة إلى استثمار ربحي، وحينما يتحول الوطن إلى عقار، تستدعى قاعدة احتساب الحرمة والتاريخ بطريقة إعادة صياغة المبدأ بطريقة مختلفة
وفق ضرورة الحاجة .
وهذا الاتجاه في المغرب بشأن موضوع استحداث سياسة جديدة بإنشاء مدافن جماعية للموتى والذي احتد النقاش فيه الان ، سبق أن رميت فيه عظمة إشاعة سياسية خجولة منذ فترة ليتناولها الجميع في ضرورة التفكير باستحداث رسوم لائقة على الدفن بحجة رعاية المقابر والاهتمام بها بما سيزيد حتما من تكلفة أعباء الجماعات الترابية التي ستتكفل بذلك بالغمز إلى ضرورة إدخالها في فصول التكاليف العامة للجماعة الترابية بما يجعلها جزءا من السياسة العمومية التي سيتم تحديثها وفق الطلب والتي ستنتهي كلفتها كما العادة إلى جيب المواطن .
ومن هذه النافذة ستشرع الأبواب على مصراعيها ليدخل تقدير الرسوم ضمن النفقات الحيوية العامة والتي ستبدأ لاشك بسيطة وستساير التطور في شكل تصاعدي سيكلف فيه الموت أهل الميت ما ينسيهم مصيبة الموت بمصيبة الحياة .
وعندما ستتحول إلى واقع الاعتياد ستبدأ المراجعات بإدخال القاعدة الاقتصادية العتيدة بالتوازن بين التكلفة والخدمة، ومن الخدمة خدمات الدرجة الأولى والثانية …الخ
من هذا المنطلق يبدأ موضوع إعادة تنظيم عقل المغاربة وبرمجته باستحداث فتوى عامة تتماشى وضرورة إيجاد مدفن لكل مواطن كآخر حق له في الدنيا دخل من الباب الشرعي من علماء وفقهاء احتد النقاش بينهم بخلق مدافن أو لحود يجمع عدة (جثث ) بدل مقبرة مستقلة لكل ميت، تحت ذريعة شرعية بعدم وجود مانع يمنع ذلك وان مجموعة من المذاهب تعتمد ذلك وكثير من الدول .
أيضا وبدأ التنفيذ التجريبي بمدينة وجدة التي تستند بالإضافة للفتوى الدينية لعادة سابقة لأهل المدينة كانت تمارس بشكل لم يثر أي إشكال .
وهذه التوطئة الحثيثة ستنتهي إلى خلق أوضاع جديدة لكن لن تكون غريبة لأنها تكون قد دخلت الفصوص الدماغية واستقرت استقرار الدوام.
النتيجة ان الموت سيتحول من عدم إلى فعل حي، يمارسه الميت ويحاسب عليه ولن تنتهي التزاماته الفعلية بالموت ولكن بدخول المقبرة بعد الحصول عليها بشكل قانوني .
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر وان كان الحدث يقاس على شبيهه فلن نجد سياقا أفضل للمقارنة بين صفقة كوشنر وصفقة المدافن .
المتوحد بين الموضوعين الهامين هو العقار بتسميته التجارية وليس الأرض.
ففي تفسير لا يختلف عن تفسير فتوى المدفن أو اللحد صرح عراب صفقة القرن كوشنر ان سر خلطته السحرية لطرح صفقته_والتي اعتبرها اخر فرصة للسلام _ترجع لخبرته الواسعة في العقار والتعامل معه والذي كان عمله الاصلي وحقق فيه نجاحا الى حد كبير جعله من كبار رجال الاعمال (سمسار عقارات ) بما يجعله مؤهلا ان يطرح صفقات ، طالما العالم عبارة عن اراضي شاسعة واينما وجدت ارض تكون الصفقة
من منطلق عمله الوظيفي نظر كوشنر الى فلسطين كعقار كبير استقطع منه بضع قطع ميكروسكوبية متباعدة ليجعل منها خزانا لليد العاملة الفلسطينية البسيطة مع وعد بتسهيل حركة السكان في أي اتجاه يريدون عبر انفاق وجسور جميلة ” وتخيل كم سيكون هذا عظيما ” حسب قوله حتى العاصمة قد يمكن استقطاع جزء في ضواحي القدس الشرقية لجعلها عاصمة بعد ان يتم تبادلها مع قطعة اخرى في مخارجة قانونية عادلة ! أما الاقصى فهو مسجد سيضمن لكل مسلم الصلاة فيه بدون اشكال
صفقة القرن التي يفتخر كوشنر انه صاغها بدقة شديدة في 181 صفحة تنظم حتى قانون السير فيها وثيقة عقارية متكاملة صالحة للسكن والتنزه واقامة العبادات .
مبدأ الضرورة عند كوشنر يجد سنده الواقعي في إيجاد مكان للفلسطينيين للإقامة فيه والتفكير برفاهية مستقبلهم دون قلق من الاعتداءات الاسرائيلية التي تضطر لقتلهم حفاظا على امنها وهي الغاية الاهم ، ومبدأ الضرورة عند بعد الفقهاء ان الارض قد ضاقت فلتتوسع بما يكفي الموتى انهم شغلوا أرضا ، الحي أبقى فيها من الميت اما التاريخ عبر الاف السنين فلا اعتبار له ولا قيمة له اما الميت خاصة اذا لم يسبق ان كان له شبر ارض وهو حي فكيف سيكون له وهو ميت، انها نفس القاعدة جغرافيا بدون تاريخ ، وموت دون حرمة، انه عصر انتزاع الدسم من كل شيء.
ما يمكن ان يقال ان اتجاه النقاش مادام فتح فلن يستقر وسيستمر في التطور الى ان يصل الى واقع قد يبدوا لنا ضربا من الجنون لكن مبدأ الضرورة وهو اساس القاعدة سيجعله ممكنا وقد يصل الى حد التفكير في التخلص من عظام الموتى بالحرق والاتلاف أوالطحن بعد مدة زمنية او أي ابتكار اخر وفي حالة اخرى عن طريق الايجار لأهل المتوفى.
حتى الموت اصبح بثمن مادي لقد بدأالمزاد …
اما التاريخ فليس الا صفحات صفراء ومن مر بالأرض اصبحت عظامهم رميما في قبورهم ساكنين الموضوع ليس ضد او مع لكنه اخطر من ذلك فقد خرج القمقم من محبسه ولن يستطيع احدهم ردعه.
الموضوع الحقيقي هنا دفع الناس الى هم جديد وعبء اخر قد ينتهي الى ضرورة شراءمدافن وجعل الموضوع جزءا من مشاريع المستقبل المنظور كماهومعمول به في مصرمثلا . وهو ليس تضارب اراء فقط .
هل مساحات المغرب الشاسعة والمترامية لن توفر لنا قبرا !
عندما تكون الارض وطنا فهي لا تنفصل عن تاريخها وتحسب قيمة جغرافيتها بقيمة تاريخها الذي ساد منه أو باد وتفاصيل من مر منها في رحلة حياة غنية عبر العصور خلفا على سلف وعقبا على خلف ، تبقى دروسا وعبرا لمن أتى ولمن سيأتي في صيرورة تاريخية متماسكة
وعندما يكون الميت عزيزا فان اكرامه دفنه بما يليق به ، ودفنه جزء من حرمته وحرمته جزء من حياة وكرامة اهله وعشيرته.
لكن عندما تكون الأرض عقارا فتحسب بوحدات القياس ( المتر او الشبر ) وتتحول الى غابة يستأصل منها جزء عند كل حاجة ، ويكون لكل ميت ثمن في اطار ما يسمى” بضريبة الموت ” او “ضريبة الدموع “، وعندما يتحول الميت الى جثة فان الهدف سيكون ردم التراب عليه واخفائه من وجه الارض فقط، المسألة ان التاريخ يؤرخ لوفاة مبدأ ” لكل ميت قبر وشاهد “، وقبره حرمة مقدسة، وخلق مبدأ جديد سيسمى ” المدافن الاقتصادية ” على شاكلة السكن الاقتصادي وستكون مشاريع كبرى وفرصة لأصحاب الرساميل من رجال الاعمال الذين سيسهرون على توفير المساحات المريحة لساكنتها ولن نستغرب اذا سبقت بإعلانات في سباق محموم للفوز بصفقات المدافن تجعل الحي يتمنى ان يعجل الله بموته للاسترخاء الابدي ، وليس اضمن من الاستثمار في الموت ، فالموت تجارة لا تبور.
فمصطلح الصفقة في حد ذاته اصبح مصطلح القرن
ورحم الله من مات قبل اقرار هذا القانون ، اما من مات بعده فالستر أبعد الأماني .





























