بــــــقــلم : خالد البوهالي
باحث في الشؤون الدولية
لم أفاجأ بتصريح الطبيبين الفرنسيين و هما جان بول ميرا، رئيس قسم العناية المركزة فى مستشفى كوشين فى باريس، وكاميل لوكت، رئيس قسم الأبحاث فى مجموعة أبحاث إنسبرم الصحية، باقتراح إجراء تجارب لإيجاد لقاح مضاد لكورونا على الأفارقة حيث لا أقنعة و لا أدوية طبية هناك حسب تعبيره، فبقدر ما استفزني هذا الاقتراح السخيف، و المستفز، و أثار تقززي حد الغثيان، بقدر ما اعتبرته عاديا، و ليس جديدا على فرنسا. قد يسأل سائل لماذا ؟.
عندما كتبت عن الصين في مقالي السابق تحت عنوان “عفوا الصين ليست رجل آسيا المريض” قلت بالحرف الواحد “و لأن ذهنية المستعمرين لا تتخلص من رواسب ماضيهم الاستعماري، فإن نظرة الازدراء و الاحتقار إلى الصين ظلت تتشكل في وعي طبقتهم السياسية و المثقفة و حتى في الوعي الجمعي لدى غالبية شعوبهم”. فإنني لم أُجَافِ الصواب فيما ذهبت إليه، و لعل الأغلبية تشاطرني الرأي، ففرنسا لم و لن تشذ عن القاعدة الاستعمارية كنظرائها من المُستَعمِرين. لأنها هي الأخرى تعتبر القارة الإفريقية حديقتها الخلفية التي ترمي فيها متلاشياتها. تماما مثل الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع دول أمريكا اللاتينية.
فما فاه به هذان الطبيبان لا يعكس رأيهما الشخصي فقط، بل هو تعبير عما يخالج الطبقة السياسية الفرنسية بجميع أطيافها و تلاوينها الفكرية، و الإيديولوجية، من شعور و نظرة كولونيالية احتقارية لإفريقيا.
الكل يعلم أن فرنسا عاثت في أرض إفريقيا فسادا و تقتيلا بدءا من استعمار دولها و استعباد شعوبها و نهب ثرواتها و ربط اقتصادياتهم باقتصادها، و إذكاء نار الصراعات العرقية بين أبناء الشعب الواحد و تأجيجها، مما يؤدي إلى حرب أهلية لا تبقي و لا تذر، و تلجأ إلى دعم طرف على حساب طرف، ثم تنصب نفسها وسيطا بينهم حتى يسهل عليها السيطرة على طرفي النزاع لتقديم تنازلات لصالحها، كما جعلت الأفارقة يئنون تحت وطأة الجوع و الفقر، و الأمية، و الهشاشة والحروب. و من لم يمت بهم قضى هائما في الفيافي و القفار الإفريقية، وهو يحلم بالوصول إلى الفردوس الأوروبي المشبع بما لذ و طاب من نعيم، و ثروات، و خيرات فردوس إفريقيا المنهوبة، أو يهلك غرقا في البحر الأبيض المتوسط حيث يصبح جسده غذاءا للحيتان و القروش، و في أحسن الأحوال العيش متسولا و متشردا بدول العبور.
و ليس هذا فحسب ففرنسا تحارب أي نظام إفريقي منتخب ديمقراطيا من الشعب و تطيح به إذا كان يهدد مصالحها، فبالنسبة لها كل ديمقراطية هي ديكتاتورية إذا لم تتماه مع السياسة الفرنسية و كل ديكتاتورية هي ديمقراطية إذا كانت هي و المصالح الفرنسية صنوان.
أفريقيا كانت مصدر ثراء حتى للساسة الفرنسيين و الجميع لازال يتذكر فضحية قطع الماسات التي كشفت عنها صحيفة Le canard enchainée”” التي تتعلق بحصول الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان إبان توليه منصب وزير المالية عام 1973، على قطع من الماسات كهدايا شخصية من رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى الراحل جون بيدال بوكاسا أو الإمبراطور كما يحب أن يطلق على نفسه، الذي قامت الاستخبارات الفرنسية بمعية قوات المظليين الفرنسيين بالإطاحة بنظامه في عملية سميت “باراكودا” عام 1979 بينما كان في زيارة لليبيا و أعادت تعيين ابن عمه الذي بالكاد يجيد الكتابة و القراءة دافيد داكو رئيسا للبلاد !!!! و تزامنت هذه الفضيحة مع قرب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، و كان تأثيرها قويا على المستقبل السياسي للرئيس جيسكار ديستان حيث سقط في الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران عام 1981
و الرئيس جيسكار ديستان لم يكن الوحيد، فها هو الرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي متهم بتلقيه أموال من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي لتمويل حملته الانتخابية.
و عودة إلى موضوع اقتراح الطبيبين حول جعل أبناء الشعوب الإفريقية فئران تجارب للقاح ضد كورونا، فهذا السلوك الفرنسي ليس جديدا كما أسلفت سابقا، و ليس غريبا عن العقلية الاستعمارية لفرنسا ،فقد سبق لهذه الأخيرة في فترات استعمارها للجزائر بإجراء تجاربها النووية في الصحراء الجزائرية فحسب موقع ويكيبيديا نقلا عن تقرير سري أفاد بأن السلطات الاستعمارية الفرنسية اقتادت 150 أسيرا جزائريا إلى منطقة رقان و جعلت منهم فئران تجارب لقياس مدى تأثير الإشعاعات النووية على أجسادهم، في تجرد من كل النوازع الأخلاقية والإنسانية، و استهتار بالقوانين و المواثيق الدولية التي تعتبر هذا السلوك بمثابة جريمة حرب، كما أجرت فرنسا العديد من التجارب النووية في صحراء الجزائر. و كانت أول القنابل النووية تزن 60 كيلو طن أي 70 مرة عن القنبلة التي ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية إبان الحرب الكونية الثانية، و لا زال سكان منطقة قاران بالجزائر إلى يومنا هذا يعانون من عدة أمراض كالسرطان. جراء تأثيرات تلك الإشعاعات و النفايات النووية الناجمة عن تلك التجارب القذرة.
كان على الطبيبين أن يخجلا من نفسيهما على الإساءات في حق الأفارقة لأنهم ليسوا فئران تجارب لفرنسا، و إفريقيا التي يحتقرانها كان لأبنائها الفضل في تحرير فرنسا من أيدي النازية و معارك النورماندي ستظل شاهدة على ذلك، علاوة على باقي جبهات القتال الأوروبية، و رغم ذلك فالأوروبيين يتغافلون عن هذا الدور البطولي، و لا يذكرون سوى الدور الأمريكي و السوفيتي في ذلك، وكذا إسهام إفريقيا في إعادة بناء ما دمرته الحرب العالمية الثانية في أوروبا، و لكن جميل القارة السمراء قوبل بالجحود و التجاهل.
إن مهنة الطب، مهنة نبيلة و شريفة و إنسانية،التي كان من المفروض على هذين الطبيبين التحلي بهما ، و ليست لتمرير اقتراحات تحمل في طياتها طابع العنصرية المقيتة، و الكراهية العفنة، والدونية المقرفة، لكن ماذا عسانا أن نقول سوى قول الشاعر إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ولا خير في وجه إذا قل ماؤه.































