لقد كشفت جائحة كورونا كوفيد19 عن اختلالات بنيوية ذات صلة بإشكالية فعلية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لبلادنا؛ ففي الوقت الذي تصارع فيه دول العالم (المتقدمة والصاعدة) هذا الوباء التاجي بقوتها الاقتصادية واستقرارها الاجتماعي رغم بروز بعض المفارقات المدهشة، حيث اتجهت رأسا إلى استفراغ وسعها وإمكانياتها لمحاولة التصدي له في أقصى الحدود وبجميع الوسائل والتقنيات المتاحة؛ وهو ذات ما فعلته بلادنا بعد الإعلان عن سلسلة من الإجراءات الاحترازية (إغلاق المناطق الحدودية والمطارات وتوقيف الدراسة الحضورية في جميع أسلاكها والإعلان عن استمراريتها من خلال المنصات الرقمية … والقيام بتدابير صحية تروم الحد من انتشار الوباء عقب الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية) في انسجام مع قواعد المشروعية الآنية التي توفرها مراسيم الضرورة؛ غير أن بلادنا وإن كانت تخوض حربها بشجاعة واستقلالية ضد هذا الوباء الخطير، _وقد حازت من أجل ذلك على ثقة قاعدة عريضة من مواطنيها في شكل تنويه على حسن تقديرها ووزنها المناسب لخطورة ما يتهدد النظام العام_؛ فإنها استفرغت وسعها ووزعت تدخلها بين جبهات أخرى عديدة، في محاولة لترميم حصون المواجهة المهترئة والمتآكلة باعتبارها من المرتكزات الداعمة لنجاح خطة الدفاع كأساس للمواجهة (الحجر الصحي). ويتعلق الأمر بمباشرة إجراءات مواكبة تستهدف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتي ستتم ترجمتها تنفيذا للتعليمات الملكية عبر تخصيص صندوق خاص بتدبير جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19) ؛ حيث أدركت الدولة أن لا مناص من ترميم الوضع الاقتصادي للمقاولات من خلال تخفيف عبء المستحقات ودعم ماليتها و تعويضها لعمالها ومستخدميها ممن هم في حالة توقف عن العمل بسبب ظرف الجائحة والمسجلين في صندوق الضمان الاجتماعي CNSS؛ وتخصيص دعم للأسر العاملة بالقطاع غير المهيكل … وإجراءات أخرى كثيرة أجبرت الحكومة على التوجه نحو التمويل الخارجي لتخفيف التداعيات على المالية العمومية حسب ما ورد في جواب السيد رئيس الحكومة خلال الجلسة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة والمنعقدة بمجلس النواب يوم الإثنين 18 أبريل 2020؛ حيث “اعتمدت المرسوم بقانون رقم 2.20.320 يتعلق بتجاوز سقف التمويلات الخارجية، والذي يرخص للحكومة تجاوز سقف التمويلات الخارجية، المحدد بموجب المادة 43 من قانون المالية رقم 70.19 للسنة المالية 2020. ويسمح هذا الترخيص للحكومة برفع سقف التمويلات الخارجية بصفة استعجالية واستثنائية ليتيح لها المجال للجوء إلى المؤسسات المالية الدولية للحصول على التمويلات الخارجية وبالتالي توفير العملة الصعبة اللازمة لاقتناء السلع والخدمات، ولاسيما المواد الأساسية والمعدات والتجهيزات الطبية والأدوية والمواد الغذائية والطاقية وغيرها. وبموجب هذا الترخيص لجأت بلادنا بتاريخ 07 أبريل الجاري إلى استخدام خط الوقاية والسيولة (LPL) بسحب مبلغ يعادل ما يقارب 3 ملايير دولار، قابلة للسداد على مدى 5 سنوات، ويدخل هذا الإجراء في إطار الاتفاق المتعلق بخط الوقاية والسيولة المبرم مع صندوق النقد الدولي سنة 2012، والذي تم تجديده للمرة الثالثة في شهر دجنبر 2018، لمدة سنتين، قصد استخدامه كتأمين ضد الصدمات الشديدة، مثل هاته التي نشهدها حاليا بفعل جائحة فيروس كورونا”. (أنظر الصفحة 28، منشور رئيس الحكومة الخاص بالجلسة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة، مجلس النواب، 13 أبريل 2020).
وقد بلغت هذه الإجراءات التي أنجزتها الحكومة ما يقارب أزيد من 400 إجراء حسب ما صرح به السيد رئيس الحكومة في الجلسة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة المنعقدة في يوم الثلاثاء 21 أبريل 2020 بمجلس المستشارين.
وأكيد ستظل هذه الإجراءات في ازدياد مستمر طيلة مدة سريان حالة الطوارئ الصحية وذلك حسب ما تتطلبه مناسبة كل ظرف على حدة؛ وغني عن البيان مشروعية هذه الإجراءات وسلامتها من الناحية القانونية وملاءمتها مع المصلحة العامة وارتكازها على حفظ النظام العام. لكن؛ وتأسيسا على هذه الوضعية، وفي ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الهشة التي أرغمت الحكومة ومعها بلادنا بتكريس تبعية خانقة لصندوق النقد الدولي؛ ألا يحق لنا أن نتساءل ونحن في عز الأزمة؛ _لأن تجارب الدول الصاعدة أكدت أن من عمق الأزمات تنضج التصورات الإصلاحية ورؤى التغيير الاقتصادي_؛ أن المصلحة العامة للمغاربة لم تعد رهينة نموذج الدولة الحارسة التي تكتفي في حمايتها للنظام العام على ثلاثية هوريو (الأمن العمومي _الصحة العمومية _السكينة العمومية)، إنما امتدت المصلحة العامة للمغاربة إلى ضرورة حماية مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية واعتبارها من مرتكزات النظام العام؛ ولما كانت الإرادة العامة للأمة تتجه نحو إقرار هذه الحقوق فعليا، فإن بلادنا إن شاءت أن تلتحق بركب الدول الصاعدة وتبني لحدودها مصدات في مواجهة الصدمات الدورية في المستقبل دون ارتهانها لدى صناديق الموازنة الدولية، فقد آن لها أن تتدخل لتحتضن هذين المرتكزين (الحماية الاقتصادية والاجتماعية) وتعلن فعليا وعمليا عن خماسية نظام عام جديد، ينسجم ومصادقة المملكة المغربية على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1979 بدون تحفظات، والانتقال من اعتبارها مجرد تطلعات والتزامات طوعية إلى تبنيها فعليا في المخططات الحكومية واعتبارها ذات أولوية ملزمة في السياسات العمومية لما بعد كورونا كوفيد 19.
هذا الانتقال نحو نموذج الدولة الحاضنة للحقوق والحريات ليس مجرد ترف فكري يستهوي الباحثين في هذا المجال، بل هو ضرورة محورية تمليها قناعة المغاربة الذين سبق لهم ان عبروا عنها وافرغوها في أشكال عدة، كان آخرها صعود الحركات الاجتماعية في مناطق الظل حسب تعبير الوثيقة التركيبية لسياسية إعداد التراب الوطني، وهو ما عبر عنه رئيس الدولة في خطابات عديدة وهو يشخص واقعنا التنموي معلنا استيفاء النموذج القائم لمداه وفشله في تحقيق طموحات المغاربة، ليفرغ إرادته في القطع مع الواقع الرديء عبر تشكيله وتعيينه للجنة النموذج التنموي الجديد المؤلفة من 35 عضوا.
فهل استوعبت الحكومة جوهر المصلحة العامة للمغاربة؟ وهل أدرك الفاعل السياسي ما ينتظره من مسؤوليات لضمان حماية المواطن المغربي من تقلبات الاقتصاد العالمي وخطورة التبعية لصناديق الموازنة الدولية؟
ذ. ابراهيم مومي. فاعل حقوقي































