صدر مؤخرا عن دار سليكي أخوين بطنجة كتاب “غجرية تحت الشمس” للكاتبة والرحالة البريطانية “روسيتا فوربس”، في ترجمة عربية أنجزتها بشرى المصباحي، وتقديم للدكتور أحمد بن علي الريسوني. ويعيد هذا الإصدار إلى القارئ العربي عملا يستند إلى تجربة الرحلة والمعاينة، ويستحضر مسارات الكاتبة في عدد من بلدان المنطقة، مع تخصيص حيز لافت للمغرب وشخصياته خلال مرحلة اتسمت بتحولات سياسية وتاريخية عميقة.
ويستحضر المؤلف لقاء الكاتبة “روسيتا” بالشريف مولاي أحمد الريسوني، الشخصية التي ارتبط اسمها بتاريخ شمال المغرب في مطلع القرن العشرين، حيث تحكي الكاتبة في سردها “غجرية تحت الشمس” عن اللحظات الأولى للقاء بالريسوني حين بادرها بالقول “يمكنك أن تخبريني الآن عن سر مهمتك… ساد الصمت لبرهة وأحسست بحلقي ملتهبا وجافا وبالكاد استطعت أن أفصل صوتي عن كل ما كان يجتاح أعماقي فقلت: لأكتب سيرة حياتك سيدي”.
وتنقلت “روسيتا فوربس”، في رحلاتها التي يستعيدها الكتاب، بين المغرب ومصر وفلسطين وسوريا والأردن والجزيرة العربية والصحراء الكبرى، في سياق جغرافي وسياسي شهد تحولات متلاحقة بعد الحرب العالمية الأولى. وتمنح هذه المسارات العمل بعدا يتجاوز تسجيل مشاهدات السفر، إذ تتيح التعرف إلى الأمكنة والمجتمعات من خلال تجربة شخصية، بما تنطوي عليه من ملاحظات وانطباعات وأسئلة حول طبيعة العلاقات بين الثقافات.
وتنتهي هذه الرحلة في المغرب، حيث تلتقي “فوربس” بالشريف مولاي أحمد الريسوني، أحد أبرز قادة المقاومة الجبلية بشمال المغرب، في محطة تمنح الكتاب قيمة خاصة لدى القارئ المغربي. فالشهادة التي تقدمها الكاتبة عن هذه الشخصية التاريخية تتيح استحضار جانب من سيرته في سياق التحولات الاستعمارية التي عايشتها، كما تفتح أمام الباحثين إمكانية مقارنتها بما ورد في المصادر المغربية والأجنبية، بما يساعد على توسيع النظر في شخصية ظلت محط اهتمام ونقاش تاريخي.
ويبرز المغرب ضمن هذا المسار من خلال اللقاء بالريسوني، الذي يتيح للقارئ الاقتراب من شخصية ظلت مثيرة للجدل وارتبطت في فترة معينة بمقاومة النفوذ الاستعماري في شمال المملكة. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من زاوية النظر التي تقدمها كاتبة أجنبية عاصرت مرحلة تاريخية محددة، مع ضرورة وضع انطباعاتها في سياقها ومقارنتها بالمصادر الأخرى، بما يسمح بفهم أوسع للصورة التي رسمتها الكتابات الأجنبية عن المغرب ورجالاته.
وتمنح ترجمة بشرى المصباحي هذا العمل فرصة جديدة للوصول إلى القارئ العربي، فيما يتيح تقديم أحمد بن علي الريسوني مدخلا إضافيا إلى قراءته والاهتمام بخلفياته التاريخية. ويأتي صدور «غجرية تحت الشمس» ليعزز حضور أدب الرحلة المترجم في المكتبة العربية، ويعيد فتح المجال أمام قراءة نص تتجاور فيه التجربة الشخصية مع التاريخ، وتصبح فيه الرحلة وسيلة لاستكشاف الإنسان والمكان، وما يربط بينهما من ذاكرة وتحولات.































