التبريس: خالد الزيتوني
ليس للسياسة وحدها اليد الطولى في الاحتجاجات التي بدأت تعرفها مدينة ترجيست، التهميش والعزلة بدورهما لهما من التأثير على معطيات الواقع ما يجعل السكان والمجتمع المدني بمكوناته يلتئم للاحتجاج ليس للمطالبة بالتنمية فقط، وإنما كذلك لفصل ترجيست عن إقليم الحسيمة وإنشاء عمالة جديدة.
حاضرة صنهاجة ظلت على مدار السنوات المركز الاقتصادي والتجاري الأكبر بالمنطقة، بالإضافة إلى ارتباط سكان الريف الجبلي إداريا بهذه المدينة التي ظلت تقاوم التقلبات الادارية والسياسية للمغرب بدون أن تقوى على تحقيق أي نقلة لا في اقتصادها ولا عمرانها ولا بنياتها التحتية، وهو ما وضعها في موقع مزري من حيث فرص التنمية مقارنة مع باقي الجهات والمناطق من الإقليم.
التهميش هو المحرك الأول للاحتجاجات
العزلة القاتلة والتهميش وغياب فرص التنمية تعتبر مؤشرات اجتماعية قوية لبروز الاحتجاجات التي وصلت ليس فقط حد المطالبة بالتنمية، بل تعدتها للمطالبة بفصل هذه الجهة عن الحسيمة، وتأسيس عمالة جديدة، فمنذ عقود من الزمن وظهور التحولات التي طرأت على باقي مدن الإقليم، سواء على مستوى المشاريع الكبرى، أو البنية التحتية، ظلت ترجيست بعيدة عن هذه التغيرات، بل ظلت تراكم بامتياز الاهمال والعزلة والتهميش، علاوة على ضعف البنية التحتية بالمدينة، والطرق المحفرة وكثرة الأزبال وغياب مطرح عمومي مراقب، علاوة على الهشاشة الادارية وسوء التسيير والغش والتدليس في تفويت الممتلكات العامة، وضعف الخدمات الطبية بمستشفى محلي ظل بدون أطر طبية رغم أهمية الغلاف المالي الذي تطلبه إنجازه، وهي عوامل ساعدت على تنمية الوعي بالاحساس بالحكرة والتهميش وأدت بالتالي إلى خروج مواطنين للشارع للمطالبة بالتنمية وبتقطيع إداري جديد يراعي الخصوصيات المحلية للمنطقة، إذن فسنوات التهميش الماضية كانت لوحدها كافية على خلق إحساس بالحكرة أدى يالمواطنين للخروج للاحتجاج.
احتجاجات القنب الهندي والغرامات الغابوية
تارجيست حاضرة المناطق الجبلية للريف العميق عرفت خلال الآونة الأخيرة نقاشا ذو أهمية تصدر اجتماعات الأحزاب السياسية بالمنطقة، فمع بدء احتجاجات مولاي أحمد الشريف وبعدها بني جميل والتي كانت على خلفية زراعة الكيف والاتجار في المخدرات، بدأت الأمور أكثر ملحاحية في فرز قيادات إدارية وسياسية جديدة بعيد عن الحسيمة، لحل المعضلات القانونية والتوابع الناتجة عن العشبة، فكان أول لقاء للقيادات السياسية المتشكلة أساسا من الاستقلال والحركة الشعبية بإساكن شتاء السنة الماضية الذي انتهى بضرورة التفكير في خلق عمالة جديدة بترجيست على خلفية حجم قبائل صنهاجة وعدم وجود ارتباط مع باقي مكونات الريف الذي يسيطر عليهم آيث ورياغل حسب رأي العديدين منهم، فكان لزما البحث عن عمالة جديدة بخصوصيات جديدة تراعي قواسم المنطقة الاقتصادية التي يطغى عليها الكيف، والاجتماعية التي يسيطر عليها التهميش.
حزب الاستقلال مؤطر النضال للانفصال عن الحسيمة
أكد نور الدين مضيان البرلماني والقيادي الاستقلالي مرارا وتكرارا على ضرورة انفصال تارجيست عن باقي إقليم الحسيمة، وذلك لسبب ربما يظل من الناحية السياسية وجيها خاصة بالنسبة للاستقلاليين الذي يرغبون في تأميم أصوات صنهاجة وجعلها استقلالية بدون منازع، ولتركها بعيدة عن اجتياح حزب التراكتور الذي حصد في الانتخابات الأخيرة أصواتا مهمة من منطقة اجبالة جعلت الاستقال يفكر بجد في خلق الفواصل الجغرافية لضمان توازنه واستقراره السياسي بالمنطقة، بالإضافة إلى خصوصية محيط مدينة ترجيست التي تحيط بها العديد من القبائل التي تعتمد زراعة القنب الهندي مما يجعل أهلها عرضة لغرامات المياه والغابات وملاحقات الدرك الملكي والتي تنتهي بمعظم فلاحي المنطقة بالسجن المحلي بالحسيمة، فكان الاستقلال وقيادته هو الجواب الذي يقدم لساكنة المنطقة، وكان الحل السحري لمشاكلهم هو إنشاء مركز إداري بترجيست لحل معضلات المواطنين المتراكمة والتي تجعلهم دائما في صعود وهبوط لمدينة الحسيمة، هذا النوع من الخطاب الذي نشأ وشب منذ حوالي السنتين بدأ اليوم يتبلور في شكل احتجاجات منظمة بقيادات شابة ومطالب واضحة.
الميزان والجرار في صلب الاحتجاجات
رغم كون الاستقلاليين سباقين للمطالبة بعمالة بترجيست فإن الباميين بدورهم خاصة منهم القيادات المتحدرة من تارجيست يرون في خلاص مدينتهم الانفصال عن الحسيمة وتأسيس عمالة جديدة، وذلك لسبب بسيط يكمن حسبهم بالتهام الريف المحسوب على ” آيث ورياغل ” لكل المشاريع التنموية الكبرى، وذلك على حساب باقي المدن والأقطاب المكونة للمغرب، فالمناطق الجبلية للريف العميق ظلت بدون أي تجهيز أو التفاتة تنموية، بالإضافة إلى المعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي ظلت مؤشراتها مرتفعة خاصة البطالة وارتفاع معدلات الاجرام وتفشي الرشوي والحكرة، وما قناص ترجيست إلا نموذج موضوعي ورد فعل على بشاعة ما يحدث بتلك الربوع من المملكة.
الاحتجاجات مستمرة بمدينة تارجيست والسؤال الذي يعيد طرح نفسه، هو هل يستطيع المخزن تلبية مطالب المحتجين، أم أن طبيعته الجوهرية ستحضر بقوة في هذه المظاهرات كما حضرت في السابق بكل من بني بوعياش وامزورن؟































