محمد العربي هروشي
تميز خطاب العرش هذه السنة الذي يخلد الذكرى 22 لتولي الملك محمد السادس الملك،بخلوه من الحديث عن العلاقات المغربية الإسبانية ،رغم الأحداث الهامة التي اعترضت العلاقات الثنائية بين المملكتين والتي تجلت:
في استقبال الحكومة الإسبانية على ترابها الوطني زعيم مليشيا الانفصاليين (البوليزاريو)
غالي ،دون إحاطة علم الحكومة المغربية ،خاصة والمعني متابع في قضايا تمس حقوق الإنسان من اغتيالات ،واعتقالات واغتصاب لمواطنين مغاربة ،ومجنسين بالجنسية الإسبانية وإسبان كناريين (جزر كنارياس)كما أوضحنا في مقالات سابقة ليس هنا المقام لتكرارها .
وعليه فإن خطاب العرش لهذه السنة ،كان العديد من المتتبعين يتوقع أن يتطرق ملك البلاد إلى الشأن المغربي الإسباني ،بل إن المتتبعين الإسبان ،وخاصة الإعلاميين والسياسيين ،تحطم لديهم أفق الانتظار ،وازور خطاب العرش ،هذه المرة، إلى مواضيع أخرى لها أهميتها.
سواء تعلق الأمر بالمحور الداخلي ،وا لذي تطرق إلى الإنجازات التي حققتها المملكة خصوصا في مجال مواجهة جائحة كوفيد 19 وما أطلقته المملكة من “مشروع رائد في مجال صناعة اللقاحات والأدوية والمواد الطبية الضرورية بالمغرب” (انتهى الاستشهاد) ،
أوتعلق الأمر بالنموذج التنموي الذي سيتم تنزيله تحت أعين الملك بكل الحرص والعناية اللازمتين كما أكد جلالته .
بيد أن اللافت في الخطاب الملكي هي الفقرة التي خص بها الأمن والاستقرار، حيث أكد “فإن المغرب يحرص،بنفس العزم،على مواصلة جهوده الصادقة،من أجل توطيد الأمن و الاستقرار،في محيطه الإفريقي والأورو_متوسطي،وخاصة في جواره المغاربي. “(انتهى الاستشهاد)
يمكن الوقوف من خلال هذه العبارة على أمرين اثنين :
أولهما ،الحديث على الأمن والاستقرار القاريين الإفريقي والأورو_متوسطي ،بحيث يقتضي الأمر أن الرسالة موجهة استراتيجيا إلى الأمن العابر للقارات ،مقابل الإرهاب العابر لها،هذا من جهة.
ثانيهما ،الحديث عن الأمن الإقليمي وخص به الجوار المتوسطي والمغاربي الذي خصصه بشكل ملحوض ،وكان هذا كافيا للتأشير على الأهمية التي سيركز عليها خطاب العرش لهذه السنة ،فيما يتعلق بضرورة فتح الحدود بين المغرب والجزائر ،وهي الدعوة التي كررها ملك المغرب للقادة الجزائريين منذ 2008.
ولم تجد سوى الأذان الصماء .ولقد غطى حوالي أربعون سطرا من الخطاب الملكي دعوة اليد المفتوحة للأشقاء الجزائريين،لا استعطافا أو توددا، وإنما كانت الدعوة بمثابة نداء العقل والقلب معا ،نظرا لما يعرفه النظام الدولي من تقاطبات وتكتلات جديدة لا مكان فيها للكيانات الهشة والمشبوهة .
غير أن الإعلام الجزائري تكتل بكل دوغمائية وأبان مرة أخرى عن مدى ارتباطه الجدلي بالماكنة العسكرية وريعها أو رعبها سيان ،عوض أن يسهم من منطلق أخلقيات المهنة في تلطيف الأجواء وإبراز أهمية فتح الحدود من أجل مغرب كبير يتسع لكل المغاربيين ،فرصة تاريخية للتكامل الاقتصادي والتجاري وفسح المجال لتحقيق الرفاهية لشعوب المغرب الكبير، بعد كل ما عناه من ويلات الاستعمار المشترك وتداعياته إلى الآنّ.
أما من جهة أخرى فإن صمت الخطاب عن مسألة العلاقات الثنائية بين المملكة المغربية والمملكة الإسبانية ،فمرده في اعتقادي ،أن يترك الوقت للوقت ،أفسر: إن الصمت الدبلوماسي الذي ساد منذ تقريبا شهرين ،ترك الاشتغال لآليات دبلوماسية أخرى ،كما أشرنا في مقال سابق تجسدت في تحركات بورييل وأعضاء من اللجنة الأوروبية لتليين شرايين العلاقة خصوصا وأن إيقاع التوتر كان متصاعدا في تصريحات الحكومة الإسبانية وخارجيتها التي كانت تصب الزيت على النار،ونحن نعلم أن أصل الخلاف ليس فقط في استقبال مجرم على أراضي إسبانية ،أجرم في حق المغرب ،وإنما في بروز دولة صاعدة تمارس سياستها السيادية بكل ندية ،وأصبح صوتها مسموعا في المحافل الدولية خصاصة في مواضيع الإرهاب والهجرة غير الشرعية والمخدرات وتهريب الأسلحة ..إلخ
إن الدور الذي بات يلعبه القطب البحري الميناء المتوسطي سحب البساط من مينا الجزيرة الخضراء ووضعه في حالة شرود (يرجع إلى الخسائر التي تكبدها خلال العامين فقط جراء توقيف عملية عبور مرحبا )
ومع هذا كله فإن المغرب ما فتئ يعطي الإشارات للجارة الإسبانية علها تتعظ وتغير من أسلوبها في التعامل مع قضيتنا الوطنية ،وأقوى هذه الإشارات أن المغرب استدعى رسميا إسبانيا لحضور اللقاء المنعقد الخميس المنصرم والذي حضرته 22دولة من بينها الولايات المتحدة وكندا والسعودية في موضوع قضايا أمنية، لم يحضر السيد السفير الإسباني بالرباط لوجوده في عطلة لكن عوض بوفد رسمي هام يمثل المكتب المركزي للبحث القضائي (BCJI ) برآسة بورخا مونتيستينو .
وقد صرح هذا الأخير لوسائل الإعلام المحلية ،حسب ما أوردته وكالة EFE “بأن العلاقات و التعاون المغربي الإسباني في مجال الإرهاب هام جدا وضروري “،هذا في الوقت الذي لم يستدع السفير الإسباني بالرباط Ricardo Diez Hochleitner حين انعقاد لقاءات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي يوم 16 يونيوه 2021 ، مما يؤشر على أن انفراجا في الأفق ممكن فهل هي مسألة ترك الوقت للوقت ؟































