التبريس: الكاتب: بوعلي بلمزيان
سؤال واسع ومشوش نوعا ما ، لكن سنضيقه من خلال التطرق بحصره مركزا في مجال النخبة المسؤولة على إدارة دفة الحكم والسياسات العمومية ، هناك من يقول في علم السياسة أن المشاكل تكون مطروحة عندما تعجز النخبة على إيجاد حلول لها . السياسة في المغرب مجال لانتاج الخبث والخبث لكن سيكون مجانبا للصواب أن نحكم على السياسيين بقاموس مستلهم من المزبلة . ولندع الواقع يتكلم من تلقاء نفسه .
ما من شك أن الوضعية العامة تزداد احتقانا والناس لم يعودوا يؤمنون بالوعود وكما يقال فالوعود لا يؤمن بها سوى من يصغي إليها ، أن تتقاتل النخبة للوصول إلى سدة المسؤولية من أجل أن لا تفعل شيئا يذكر ، فهذا قمة العجب أو أن تستمر في الضحك على الذقون ومآسي الآخرين عبر خلق ضجيج متصاعد بين شعبويين آخر الزمن يتناطحون كالأكباش في ساحة لا تنتهي ، وهناك حكمة تقول عندما يتصاعد الضجيج فحذاري أن تتحول إلى كلب !
خبراء علم السياسة يقولون أن المحكومين ، بالمعنى الواسع للعبارة ، يحكمون وهذا صحيح تماما لكن في الدول التي تحكمها ثقافة ونظم ديمقراطية ومجتمع ديمقراطي تنتفي فيه الأمية والجهل ويكون قادرا على الاختيار السياسي بناء على برامج مقدمة بشكل علمي لتحقيق أهداف محددة ومسطرة سلفا ، ليس كما هو الحال عندنا حيث أن الحزب الذي نال ثقة غالبية (بالنسبي طبعا) الناخبين بسرقة ثمار الربيع المغربي عبر التلويح بشعار محاربة الفساد الذي رفعته 20 فبراير لكي يدوس على مقدرة المواطنين البسطاء ويعلي من شأن المفسدين الذين انتشروا كالسرطان في عهده بعدما تيقنوا أنه مجرد كلام ميتافيزيقي مرفوع إلى السماء.
أن تحكم معناه أن تساهم في تنظيم المجتمع وتغييره نحو الديمقراطية ، إصلاحه عبر المشاريع والبرمجة والتخطيط أو قل بلغة علماء السياسة تطويع العالم بإرادته ، وهي معاني مشكوك في قدرة السياسيين على تحقيقها في النظم الديمقراطي وأحرى في بلد يبحث في الظلام عن مخرج للمأزق ناهيك على أن هذه النخب تفتقد للسلطة والقرار السياسي وهي واعية بدورها الهامشي في النسق السياسي المغربي وراضية على دورها المجازي في الصراع . فهي تدير الروتين الإداري ولا تحكم سواء في الحكومة أو الجهة أو الجماعة .
النخبة في النسق السياسي المغربي تسود ولا تحكم قبل أن “تسوس”إذا جاز استعمال هذه الكلمة النابعة من ثقافة الدارجة المغربية لتستبدل بنخب جديدة وطنية وجهوية يوكل لها نفس الدور بثوب جديد . فالدولة العميقة عندما تعاين وجود إفلاس سياسي لنخب مسيطرة على إدارة الشأن العام تعمل على إطلاق سلسلة من الاصلاحات السياسية والدستورية وقوانين اللامركزية والجهوية ونظم الانتخابات وهي تحاول أن تبعث الروح في الجسد السياسي عندما تعابثه الموت . فظاهريا تبدو وكأنها تريد اقتسام السلطة لكن تكيتكيا تبقي على نفس السلطة .
والحقيقة تقال أن السياسي عموما لا ينتظر منه الشيء الكثير حتى في الدول الديمقراطية ، لذلك يتم الاستعاضة عنه بمفاهيم جديدة تدعى تارة بمجموعة الفكر أو المجموعات الابستيمولوجية لوجود الاعتقاد أن إنتاج الأفكار “البراديجم” وليس الايدولوجيا يمكن أن تغير العالم ، لذلك يفهم أن قاموسا جديدا بات يكتسح مجال الممارسة السياسية والمدنية كما هو الشأن في الاقتصاد والسياسة الاجتماعية والمؤسسات الدولية للتنمية ودور الخبراء صار هاما في حقل هذا التطور الجديد الذي حمل معه مفاهيم مثل الحكامة ومبدأ الاحتراس والتنمية المستدامة والمحلية ومجتمع الإعلام .إن مفهوم المجموعات الابستمولوجية برزت لأول مرة على يد العالم السياسي بيتر هاس وهي فكرة مؤسسة على معنى بسيط وهو أن الأشخاص الذين ينتمون إلى حقل إداري وسياسي موحد تقتسم نفس إطارات التفكير ، وقيم مشتركة ومراجع متشابهة ..
والطامة الكبرى أن نفس المنهجية يتم اقتلادها عندنا من طرق لوبيات برغماتية نفعية وتحولها من حقل جديد للتفكر إلى روتين ذهني تمرنت عليها كوادر جمعوية وتمرن عليها من يجهلها كسبا للرزق ، وتتسابق ذات النخبة إلى المزاحمة من أجل احتلال مكانها في هذا القاموس المدر للربح السريع لذلك نسمع عن برامج لتمرين المفسدين على مفاهيم الحكامة والتدبير الجيد للموارد ، أليس هذه هي قمة الوقاحة ؟
ومع ذلك لا يمكن أن نعدم إيجابيات هذه المنهجية المتبعة والمؤسسة على قاعدة أن الفكر يمكن أن يغير ليس بمعنى قلبا للمنهجية الماركسية القائمة على أن ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي بل هذا الأخير هو الذي يحدد وعيهم ، بل المقصود أن الخبرة التقنية يمكن أن تفضي إلى إحداث تغيير ما وعي الناس . لأنها منهجية تحث الناس على التفكير في المستقبل وهي أصلا تقوم على مبدأ ثلاثي الابعاد : الماضي (مثالي) والحاضر (مأساوي) والمستقبل هو من أجل البناء للخروج من الأزمة .
فلا السياسي النخبوي الآيل إلى الإفلاس ولا الجمعوي التنموي صاحب الروتين الذهني، الذي يحاول أن يحل محله ، قادر على تغيير وعي الناس بل إن وجودهم الاجتماعي عبر الصراع في الواقع هو الكفيل بتغيير وعيهم ووضعهم.




























