التبريس
كثر الحديث عن التنمية المستدامة، وغيب الموضوع الأهم و السؤال الجوهري: لمن نريد هذه التنمية؟ من المعني بالتنمية؟ و هل حقيقة نشرك هذا المعني بأمر التنمية في الخطط و البرامج الهادفة لتحقيق المشاريع التنموية؟ سواء كانت مقررة من طرف الحكومات أو من طرف جمعيات المجتمع المدني؟.
إن أي حديث عن التنمية، يجب أن لا يغفلنا عن حقيقة هامة و هي أن هذا الحديث يجب أن يستهدف بالأساس التركيز على أحد الحقوق الإنسانية الهامة و الأساسية.
فالمادة الثانية من” إعلان الحق في التنمية ” يشير إلى أن” الإنسان هو الموضوع الرئيسي للتنمية، و ينبغي أن يكون المشارك النشيط في الحق في التنمية و المستفيد منه”.
فالتنمية المستدامة يجب أن تستهدف بالأساس الإنسان من حيث هو الموضوع و المعني الأول بالتنمية. فعندما نتحدث عن الإنسان فإننا نتحدث عن كيان له مجموعة علاقات تحيط به و يتفاعل معها. فهل يمكن الحديث عن إنسان يعيش تنمية، دون الحديث عن ضرورة تنمية محيطه البيئي و تنمية قدراته و مهارته المختلفة، بالإضافة إلى تمتعه بصحة جيدة و بحقوقه من كرامة و استقلالية و حرية؟.
وهل يمكن الفصل بين الحاجيات الأساسية و الحقوق الأساسية للإنسان؟
إن مثل هذه التساؤلات تضعنا مباشرة في صلب الموضوع ، وهل تكرس هذه المشروعات التنموية مفهوم الحقوق الإنسانية وتعمل على تحقيق كرامة الإنسان (المواطن) ؟
قد لا يختلف اثنان حول أهمية دور المجتمع المدني في ترسيخ مفهوم و مقاربة جديدة للتنمية باعتبارها حقا من الحقوق الإنسانية التي أصبحت تكتسي أهمية بالغة في تقييم مدى نمو و تقدم مجتمع من المجتمعات خصوصا في دول الجنوب.
ونظرا لهذه الأهمية فإن السؤال الذي يمكن طرحه هنا: إلى أي حد ساهمت جمعيات المجتمع المدني في تكريس تنمية اجتماعية، اقتصادية تراعي الجانب الحقوقي للإنسان في مجتمعات العالم الثالث أو ما أصبح يصطلح عليها بدول الجنوب؟
إن أية مقاربة من هذا النوع يجب أن تراعي ما تحقق على أرض الواقع و ما استطاعت بعض الجمعيات العاملة في حقل التنمية الاجتماعية أو التنمية المستدامة تحقيقه من أجل بلورة تصور واضح و متكامل عن الأهداف و الوسائل و أيضا كيفية التقييم الموضوعي للتجربة أو التجارب.
إن أهم ما يميز أغلب المشاريع التنموية التي تنفذها الجمعيات، هو أنها تستهدف فئاة مختلفة ، انطلاقا من معطى أن هذه الفئاة هي الأكثر تضررا بالوضع المتأزم الذي تعيشه التنمية ببلادنا.
ولقد تناسلت جمعيات المجتمع المدني بشكل ملفت للنظر منذ نهاية القرن الماضي وبداية هذه الألفية الجديدة ، لكن اهتمامها بالتنمية المحلية ، بمفهومها الشاسع ، لم يصل إلى مستوى النضج إلا في السنوات القليلة الماضية مع ظهور جمعيات ترفع شعار التنمية المحلية أساس دولة الحق و القانون . فأخذت هذه الجمعيات على عاتقها مسئولية النهوض بالمنطقة ثقافيا و اجتماعيا واقتصاديا و سياسيا
ومما لا شك فيه أن المجتمع المدني، قد أصبح من بين بداهات قيام أي مشروع حضاري، لما له من أهمية ملحة في تدبير الشأن العام محليا، إقليميا، وطنيا، بل ودوليا أيضا. كما أن تفعيل أدوار المجتمع المدني يحضر اليوم كأولوية أساسية لأية تنمية اجتماعية أو اقتصادية أو بشرية عامة، لا لشيء إلا لكونه رافدا أساسيا لتعزيز المكتسبات النوعية داخل المجتمعات ومصدرا لتطوير وإغناء التجربة عن طريق البحث والنقد والمساءلة وتجديد مبادئ ووسائل العمل الجمعوي باعتباره إطارا مرجعيا لتأسيس وتأصيل كل ما من شأنه أن يساهم في تحقيق تنمية مستدامة.
إن تحقيق التنمية ينطلق من التوظيف الأمثل للإمكانات الذاتية التي تعد القوى الاجتماعية الفاعلة إحدى ركائزها، لذا لا بد من الاشتغال وفق استراتيجيات وسياسات تعترف للفاعل المدني بأهميته وتساهم بشكل كبير في الرقي بالدور الذي يلعبه، والانتقال به من مستوى التهميش والاستئناس في أحسن الأحوال إلى مستوى الفاعلية الحقة المبنية على الشراكة المؤسساتية، والعمل على الحد من التداخل الوظيفي والصراع الذي يعيشه الفاعل المدني في علاقته بباقي الفاعلين.
ولتحقيق تنمية مستقيمة تضع الفاعل المدني في صلب اهتماماتها باعتباره أحد روافدها الحيوية، بات من الضروري استيعاب الدينامية المتزايدة للجمعيات وتطورها الكمي عبر برامج ومخططات ترقى بها من الناحية النوعية إلى مستوى تحديات المرحلة. إن الرهان على فاعلية الفاعل المدني يتوقف على توفير التكوين اللازم والدعم الضروري لجعله مؤهلا وقادرا على الانخراط الجاد في القضايا الكونية وتحقيق الاستقلالية التي تكفل له مكانة الشريك المبادر. والانتقال من مرحلة الحديث عن أهمية الفاعل المدني إلى مرحلة ترسيخه كواقع وكقناعة لدى الجميع بقدرته على المساهمة الجادة في بناء مشروع مجتمعي قائم على ثقافة التدبير المشترك.
وانسجاما مع الخيارات الكبرى للمجتمعات الحديثة والتي تراهن على الجهوية الموسعة كإحدى آليات تدبير الاختلاف والتنوع الثقافي في سياق تعزيز ممارستها الديمقراطية والرهان عليها كمدخل أساسي لتحقيق التنمية المنشودة. فلتفعيل هذه الجهوية يجب إشراك الفاعل المدني باعتباره قوة اقتراحية وحامل لخصوصيات وهموم الجهة التي ينتمي إليها حيث لا يجب أن تغيب العناصر الأصيلة والخصوصيات المتفردة لكل جهة أو إقليم على حدة من حيث الموارد والإمكانات الذاتية (اقتصادية، اجتماعية، ثقافية…) في ظل عمومية الخطاب التنموي. ومن هنا تأتي أهمية وأحقية إشراك الفاعل المدني على مستوى الإعداد والتهييء والتخطيط والإنجاز.
لقد حان الوقت لينتقل الفاعل المدني من وضعية الانتظارية والتلقي إلى وضعية العمل الجاد والبرهنة على قدرة حقيقية في تحمل المسؤولية. وذلك لا يتأتى إلا عن طريق:
فتح نقاش مسؤول بين مختلف الفاعلين المدنين بغية تهييئ خارطة للطريق تنسجم ومتطلبات المرحلة التي تقتضي أن يتحمل الكل مسؤوليته في جميع الخيارات الوطنية والدولية.
الجرأة في اتخاذ المواقف وطرح الأفكار والمساهمة في عملية بناء المشروع الديمقراطي.
العمل على تطوير الأداء الجمعوي عبر تعزيز الكفاءات والقدرات التنظيمية والتقنية في مواجهة التحديات والإكراهات الراهنة.
الاشتغال على خلق فضاءات للحوار والنقاش الدائم بين مختلف الفاعلين على المستوى الوطني والدولي من أجل تبادل الخبرات ومن اجل التعاون المستمر أيضا.
يشكل الإعلام رافدا أساسيا و يساهم في بلورة تصورات تعمل على تعميق التنمية المحلية والجهوية وكذا المساهمة في بناء مجتمع ديمقراطي منفتح على معظم التعبيرات والحساسيات الأخرى، وذلك على اعتبار أن الإعلام قاطرة مهمة في أي تحول مجتمعي.
و نعتبر الحديث عن دور الإعلام في التنمية المحلية والجهوية يحيل على مسألتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالتوزيع الجغرافي للمواد والموارد الإعلامية باعتبارها مضامين ومحتويات.
أوسار فيصل




























