تشكل مناورات “الأسد الإفريقي 2025” لحظة مفصلية في التحولات الجيوسياسية بشمال إفريقيا، ليس فقط من حيث حجمها أو عدد الدول المشاركة، بل لما تعكسه من إعادة تموضع استراتيجي لقوى الإقليم، فبينما يواصل المغرب صعوده بثقة في محور عسكري جديد مع الولايات المتحدة، تتراجع أدوار تقليدية كانت تحتكرها كل من إسبانيا والجزائر، هذا السياق بالغ الأهمية تجلى في ارتباك مدريد الذي وثّقته وسائل إعلام إسبانية عدة، وعبّرت عنه بانسحاب جزئي يُقرأ كترجمة فعلية لفقدان التأثير وتغيّر موازين القوة في المنطقة.
فقد شهدت الساحة الإعلامية والسياسية في إسبانيا جدلًا واسعًا تزامنًا مع مناورات “الأسد الإفريقي 2025″، التي استأثرت هذه السنة باهتمام غير مسبوق، فقد اعتبرت عدة تقارير، أبرزها من موقع Moncloa.com، أن مشاركة المغرب إلى جانب الولايات المتحدة شكّلت إحراجًا واضحًا لوزارة الدفاع الإسبانية، التي اضطرت إلى الانسحاب جزئيًا، في خطوة فسّرها المراقبون على أنها تعبير عن ارتباك استراتيجي أكثر منه قرارًا ميدانيًا محسوبًا.
المناورات، التي جمعت نحو 10 آلاف جندي من 40 دولة، وُزّعت على أراضي المغرب وتونس والسنغال وغانا، وأفرزت دينامية جديدة في تموقع القوى الإقليمية، فقد انتقل المغرب من دور الشريك المضيف إلى موقع المحور الفاعل، في ظل تنسيق عسكري واستخباراتي واضح مع امريكا، وهي سابقة أغضبت الجزائر ودفعتها إلى مقاطعة التمارين كليًا، معتبِرة أن تحرك الرباط استفزاز مباشر لأمنها الإقليمي.
العديد من المنابر الإعلامية الإسبانية، بينها El Confidencial وLa Vanguardia، سلطت الضوء على حالة الارتباك داخل وزارة الدفاع، وتخوّف النخبة السياسية من أن تكون مدريد بصدد خسارة مكانتها كشريك متوسطي أساسي، وعبّرت التحليلات عن قلق متزايد من تنامي الحضور المغربي، مدعومًا بغطاء أمريكي وتمويل خليجي وتعاون استخباراتي متين، ما يعيد تشكيل موازين القوة في جنوب المتوسط.
في المقابل، تبدو الجزائر في موقع أكثر هشاشة وتراجعا، بين عُزلة إقليمية متنامية وتراجع تأثيرها في الملفات العسكرية والدبلوماسية، وقد اعتُبر غيابها عن المناورات تعبيرًا عن تراجع قدرتها على المناورة الميدانية، في وقت تستثمر فيه الرباط في توسيع شراكاتها الإستراتيجية، وبسط نفوذها جنوبًا نحو الساحل، وشرقًا نحو عمق القارة الإفريقية.
إن تحولات هذه الدورة من “الأسد الإفريقي” لا تعكس فقط واقعًا عسكريًا متطورًا لصالح المغرب، بل تكشف أيضًا عن لحظة انتقال حاسمة في المشهد المغاربي والمتوسطي، عنوانها: مغرب يصعد بثقة، وجزائر تنكمش، ومدريد تفقد زمام التأثير، وهي مؤشرات رصدتها بوضوح تقارير صحفية ومراكز تحليل إسبانية بدأت تدق ناقوس الإنذار حول الدور المتقلّص لبلادها في محيط كانت تُعتبر فيه فاعلًا أساسيًا حتى عهد قريب.































