الغبزوري السكناوي
تعيش بلدة “توري باتشيكو’ الواقعة بإقليم مورسيا جنوب شرق إسبانيا، على وقع توترات متصاعدة وأعمال عنف ممنهجة ضد المهاجرين المغاربة، وسط إدانات سياسية وتحذيرات من تفشي خطاب الكراهية. ووفق ما أوردته صحيفة El País في تقاريرها الصادرة بتاريخي 13 و14 يوليوز 2025، فقد شهد حي “سان أنطونيو” سلسلة اعتداءات نفذتها مجموعات من اليمينيين المتطرفين (ultras)، استهدفت مهاجرين مغاربة بشكل مباشر، وأعادت إلى الواجهة الجدل حول تصاعد النزعة العنصرية في المجتمع الإسباني.
الاعتداءات انطلقت عقب نشر مقاطع فيديو تحرّض على ما سُمّي بـ”تطهير الحي من الأجانب”، وهو ما تطور إلى اقتحام عدد من المحلات المملوكة لمغاربة، من بينها مطعم جرى تدميره باستخدام هراوات وخوذات ودروع. وأفادت El Español بأن هذه الهجمات جاءت بعد الاعتداء على مسن إسباني يدعى “دومينغو”، حيث استغلت بعض التيارات اليمينية المتطرفة الحادث لتبرير العنف وتجييش الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا تطبيقي “تيليغرام” و”فيسبوك”.
تغطية RTVE ذكرت أن السلطات نشرت أكثر من خمسين عنصرًا من الشرطة المحلية والحرس المدني لتأمين الحي واحتواء التوتر، لكن الهجمات تكررت في الليلة الموالية رغم الطوق الأمني. وأكدت أن خمسة أشخاص أصيبوا بجروح، بينما تم اعتقال أربعة آخرين شاركوا في أعمال العنف. في المقابل، خرج العشرات من أبناء الجالية المغربية في مظاهرات احتجاجية عفوية انتهت بصدامات محدودة مع عناصر الأمن، ما زاد من توتر الأجواء وسط مخاوف من تفاقم العنف.
بدورها، ذكرت La Vanguardia أن العنف امتد إلى شوارع جانبية وأحياء نائية، بينما تم تداول دعوات مفتوحة لملاحقة المغاربة عبر “تلغرام” تحت مسمى “مطاردات التطهير”. وفي المقابل، أبدى سكان الحي الإسبان تضامنهم مع الجالية المغربية من شرفات منازلهم، لكنهم ظلوا في موقع المتفرج بسبب حدة التوتر وخطورة الموقف. الصحيفة حذرت من أن هذه الأحداث تعكس انفلاتًا خطيرًا وتراجعًا في قدرة المؤسسات على حماية الفئات المستهدفة.
سياسيًا، حمّلت “ماريولا غيفارا” نائبة الحكومة في إقليم مورسيا، حزب Vox اليميني المتطرف مسؤولية التحريض، وقالت إن الحزب “يتمنى حدوث حوادث ليروّج لجولاته الصيفية”. كما دعا حزب SUMAR إلى فتح تحقيق رسمي حول العلاقة بين دعوات التحريض وأعمال العنف. وأوردت صحيفة El Cierre Digital أن الاعتداءات جرت بتخطيط منسق، شاركت فيه عناصر جاءت من خارج البلدة، ما يشير إلى وجود تعبئة منظمة وليست مجرد ردود فعل معزولة.
وفي الوقت الذي عبّر فيه بعض المسؤولين المحليين، مثل رئيس الإقليم “فرناندو لوبيز ميراز” عن رفضهم للعنف، فإن انتقادات وُجهت للسلطات بسبب تأخرها في التحرك، وغياب موقف حازم في بداية التوترات. بينما خرجت دعوات من المجتمع المدني الإسباني للتضامن مع الضحايا وتنظيم وقفات في مدن أخرى، تعبيرًا عن الرفض القاطع لأي ممارسات عنصرية تستهدف فئة بعينها، وخاصة المغاربة الذين يشكلون نسبة كبيرة من اليد العاملة الزراعية في المنطقة.
ورغم عدم تسجيل أي وفيات، فإن الأضرار النفسية والاجتماعية التي خلّفتها هذه الهجمات تبقى عميقة، خاصة وسط الأطفال والنساء. كما يُنتظر من السلطات القضائية فتح تحقيق شامل في خلفيات العنف، ومحاسبة المحرّضين والمتورطين. ويبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل التعايش في مناطق مثل مورسيا، التي كانت توصف سابقًا بكونها نموذجًا للتسامح والتنوع، لكنها اليوم تواجه اختبارًا قاسيًا في وجه المدّ العنصري الآخذ في التصاعد.































