فكري سوسان
الحسيمة تحتاج إلى تعاون المؤسسات، لا إلى رئيس يستعير شرعيته من المسؤول الإقليمي
ليس العيب أن يشكر رئيس بلدية الحسيمة عامل الإقليم، ولا أن يعترف بما أنجزته السلطة الإقليمية لفائدة المدينة. فالتدبير الترابي لا يستقيم بالصراعات العقيمة، كما لا تُبنى المدن بتنازع الاختصاصات وتبادل الاتهامات. غير أن التعاون بين المؤسسات شيء، وأن يتنازل المنتخب عن موقعه وصوته ومسؤوليته شيء آخر تماماً.
في المقطع المتداول الذي ظهر فيه رئيس المجلس وهو يكيل الثناء لعامل الإقليم وينسب إليه ما تحقق في المدينة، بدا الرجل أقرب إلى موظف يشيد برئيسه المباشر منه إلى مسؤول منتخب يقود مؤسسة دستورية لها اختصاصاتها وميزانيتها وبرنامج عملها وإدارتها.
قد يكون الدكتور نجيب الوزاني طبيباً بارعاً في جراحة العظام، وقد يشهد له مرضاه بالكفاءة وحسن الخلق. ولا ينتقص النقد السياسي من مكانته المهنية أو صفاته الإنسانية. لكن النجاح في غرفة العمليات لا يمنح صاحبه، بصورة آلية، كفاءة في تدبير المدينة. فالعظم المكسور يُشخّص بصورة أشعة ويُعالج وفق بروتوكول طبي واضح، أما المدينة فتحتاج إلى رؤية، وفريق، وميزانية، وترتيب للأولويات، وقرارات قد تكون مؤلمة، ثم إلى شجاعة تحمل نتائجها.
والحصيلة، لا المهنة الأصلية ولا النيات الحسنة، هي المعيار الذي يُقاس به أداء المسؤول المنتخب.
القانون لم يجعل الرئيس زينة للمجلس
يكفي الرجوع إلى القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات لندرك أن رئيس المجلس ليس صاحب منصب فخري، ولا وسيطاً بين السكان والسلطة، ولا منشطاً لحفلات الشكر.
إنه رئيس الجهاز التنفيذي للجماعة، والآمر بقبض مداخيلها وصرف نفقاتها، والمسؤول عن تنفيذ برنامج عملها وميزانيتها ومقررات مجلسها. وهو الذي يسير مصالحها الإدارية، ويشرف على موظفيها، ويبرم صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات، ويدبر ممتلكاتها ومرافقها العمومية، ويمنح عدداً من الرخص، ويبرم اتفاقيات التعاون والشراكة.
ويمارس الرئيس، في الحدود التي رسمها القانون، صلاحيات الشرطة الإدارية في مجالات ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن: النظافة، والوقاية الصحية، والسكينة العمومية، وسلامة المرور، وتنظيم السير والجولان والوقوف، ومراقبة المحلات المفتوحة للعموم، وتدبير الشواطئ والمسابح، وتنظيم الأنشطة التجارية والحرفية التي تمس الصحة أو البيئة أو راحة السكان.
كما تقع ضمن مسؤوليته جوانب أساسية من تدبير الملك العمومي الجماعي، ومنح رخص احتلاله، وتنظيم استعماله، إلى جانب صلاحياته في التعمير ورخص البناء والسكن وشهادات المطابقة.
هذه ليست لائحة امتيازات، بل لائحة مسؤوليات. وحين تتسخ الشوارع، وتُحتل الأرصفة، وتضيق الممرات بالمظلات والكراسي، وتتحول مواقف السيارات إلى فوضى، وتُترك الحفر والإنارة والنفايات بلا معالجة، لا يستطيع الرئيس أن يتصرف كما لو كان مراقباً محايداً يصف ما يقع ثم ينتظر تدخل العامل.
لا يجوز له أن يختبئ خلف تعدد المتدخلين في الملفات التي منحه القانون أدوات واضحة للتصرف فيها.
العامل شريك مؤسساتي وليس رئيساً للمجلس
ينص الفصل 145 من الدستور على أن الولاة والعمال يمثلون السلطة المركزية، ويسهرون على تطبيق القانون وتنفيذ القرارات الحكومية، ويمارسون المراقبة الإدارية، ويساعدون رؤساء الجماعات الترابية على تنفيذ مخططات وبرامج التنمية، كما ينسقون أنشطة المصالح اللاممركزة.
أما رئيس البلدية، فيستمد شرعيته من الانتخاب، ويتولى قيادة الجهاز التنفيذي المحلي في نطاق الاختصاصات التي منحها له الدستور والقانون.
نحن، إذن، أمام شرعيتين مختلفتين ووظيفتين متكاملتين، لا أمام رئيس ومرؤوس. العامل ليس منافساً لرئيس البلدية، والرئيس ليس موظفاً في ديوان العامل. الأول يمثل الدولة ويضمن التنسيق وتنفيذ السياسات العمومية واحترام القانون، والثاني يمثل السكان ويقود المؤسسة المنتخبة ويحاسَب أمامهم عن برنامجها وميزانيتها وخدماتها.
العلاقة السليمة بينهما لا تُبنى على التملق، ولا على المنازعة الدائمة. تُبنى على وضوح الاختصاصات، وتبادل المعلومات، والاجتماعات العملية، وتحديد المسؤوليات والآجال، ثم إخبار المواطنين بما قامت به كل مؤسسة.
حين يحتاج تنفيذ قرار جماعي مشروع إلى القوة العمومية، يجيز القانون للرئيس أن يطلب تدخل العامل. لكنه لا يعفيه من اتخاذ القرار أولاً. لا يمكن أن يترك الفوضى تتسع ثم يقول إن وسائل التنفيذ توجد لدى جهة أخرى، لأنه يملك حق المبادرة وواجب طلب المساعدة القانونية عند الحاجة.
التنسيق الحقيقي يبدأ عندما يجلس الرئيس أمام العامل حاملاً برنامجاً وملفات ودراسات ومؤشرات، لا عندما يقف أمام الكاميرا حاملاً باقة من عبارات الثناء.
ثم إن للتنسيق شرطاً بسيطاً يبدو أن رئيس البلدية نسيه: أن يكون المنسِّقان في المدينة نفسها. فالعامل يقيم في الحسيمة ويتابع ملفاتها يومياً، بينما يقيم الرئيس ويعمل في الرباط، ثم ننتظر بينهما تنسيقاً مؤسساتياً دائماً. لا غرابة، إذن، أن يملأ الحاضر الفراغ الذي يتركه الغائب، وأن ينتهي الأمر بالرئيس وهو يشكر العامل على القيام بما كان يفترض أن يتقاسماه؛ فالمدينة، مهما تطورت وسائل الاتصال، لا تزال عصية على التدبير عن بُعد.
المدينة ليست شركة، لكنها لا تُدار بالارتجال
لا ينبغي إدارة المدينة كما لو كانت شركة تجارية؛ فالمواطن ليس زبوناً، والحق في النظافة والإنارة والفضاء العام ليس سلعة، والمردودية المالية ليست المعيار الوحيد للخدمة العمومية.
لكن هذا لا يعني أن البلدية معفاة من قواعد التدبير الحديث. على العكس، يحتاج رئيسها إلى ما يحتاجه أي مدير ناجح: تشخيص دقيق، وأهداف قابلة للقياس، وتوزيع واضح للمهام، وجدول زمني، ومراقبة للإنجاز، وتقييم للنتائج، وربط للمسؤولية بالمحاسبة.
كما يحتاج إلى إدارة جماعية محترفة. رئيس المجلس يحدد الاتجاه السياسي والأولويات، بينما يتولى المدير العام للمصالح والأطر الإدارية ترجمة ذلك إلى برامج ومشاريع ومساطر. ونجاح العلاقة بين المنتخب والإدارة يقوم على الثقة والولاء للمصلحة العامة والاحترام وتحديد الأدوار، لا على الارتجال أو تحويل الموظفين إلى مجرد منفذين لرغبات عابرة.
المشكل في الحسيمة ليس غياب الخطب، بل غياب الرؤية التي تربط بين تفاصيل المدينة. النظافة ليست ملفاً منفصلاً عن السياحة، والسير ليس منفصلاً عن التجارة، واحتلال الملك العمومي ليس منفصلاً عن العدالة بين المواطنين، والشاطئ ليس فضاء موسمياً لجمع الرسوم، بل جزء من صورة المدينة واقتصادها وحق سكانها في فضاء مشترك.
والفوضى التي تظهر بقوة في الصيف ليست «فوضى موسمية». الصيف يكشف فقط اختلالاً بنيوياً موجوداً طوال العام: ضعف التخطيط، وتردد القرار، وغياب المراقبة المستمرة، والتساهل الانتقائي في تطبيق القواعد.
حين تتحول المدينة التي اشتهرت يوماً بنظافتها وهدوئها إلى فضاء تتنازع فيه السيارات والأزبال والكراسي والمظلات والأصوات المرتفعة ما بقي للمواطن من رصيف، فالمطلوب ليس بياناً يصف الظاهرة، بل سلطة جماعية تتحرك.
ماذا يفعل رئيس يعرف مهمته؟
يبدأ بتقديم تشخيص صريح لحالة المدينة، لا بياناً تجميلياً. يوضح للناس ما وجده، وما يستطيع المجلس معالجته، وما يحتاج فيه إلى الدولة أو الإقليم، وما يتطلب شراكات وتمويلاً إضافياً.
ثم يحول برنامج عمل البلدية إلى التزامات محددة: ماذا ستنجز البلدية في النظافة والإنارة والسير والشواطئ والحدائق والمواقف والأسواق خلال ستة أشهر أو سنة؟ ما الكلفة؟ من المسؤول؟ وما مؤشرات النجاح؟
ويجتمع دورياً بالمدير العام للمصالح ورؤساء الأقسام لمتابعة التنفيذ، بدل إدارة المدينة بردود الفعل والمكالمات الظرفية. كما يقدم للمجلس وللسكان لوحة قيادة دورية تبين ما أُنجز وما تأخر وأسباب التأخير.
ويطبق قرارات الشرطة الإدارية على الجميع من دون انتقائية. فلا معنى لمحاربة مظلة مواطن بسيط وغض الطرف عن صفوف كاملة من الكراسي والمظلات التجارية، ولا لإزالة بائع ضعيف وترك مستغل نافذ يبتلع الرصيف. وكلما وُجدت قرابة سياسية أو اجتماعية أو مصلحة تجارية محتملة، ازدادت ضرورة الشفافية والتصريح بتضارب المصالح والامتناع عن التأثير في القرار.
ثم يذهب إلى عامل الإقليم بصفته شريكاً، لا تابعاً: يقدم الملفات التي تحتاج إلى تنسيق، ويطلب تعبئة المصالح الخارجية والقوة العمومية حيث يجيز القانون ذلك، ويتفق معه على المسؤوليات والآجال. وعندما يظهر أمام المواطنين، يقول بوضوح: هذا ما أنجزته البلدية، وهذا ما قامت به الدولة، وهذا ما أنجزناه معاً، وهذا ما أخفقنا فيه وسنعمل على تصحيحه.
هذه هي الدبلوماسية المؤسساتية. أما أن يمحو الرئيس مؤسسته من المشهد وينسب كل شيء إلى المسؤول الأقوى، فليس تواضعاً، بل تنازلاً عن المسؤولية.
شرعية الصندوق لا تكفي
الانتخابات تمنح الرئيس الحق في تولي المنصب، لكنها لا تمنحه شهادة دائمة بحسن التدبير. الشرعية الانتخابية تبدأ بالصندوق، ثم تُجدَّد كل يوم بالعمل والإنجاز والوضوح والمساواة أمام القانون.
لقد عانت الحسيمة طويلاً من مجالس تفسر ضعفها بغياب دعم الدولة، ومن منتخبين يبررون العجز بتداخل الاختصاصات. لكن القانون الحالي منح رئيس البلدية أدوات واسعة. وقد لا تكون كافية لحل كل مشكلات المدينة، لكنها أكبر بكثير مما يوحي به خطاب العجز.
الحسيمة لا تحتاج إلى رئيس ينافس العامل، ولا إلى رئيس يعاديه. تحتاج إلى رئيس يعرف مقامه، ويحترم مقام المؤسسات الأخرى، ويدافع عن مصالح المدينة من داخل القانون. تحتاج إلى منتخب يمتلك شجاعة القرار وصلابة الوقوف أمام جماعات الضغط، لأن المدينة التي يعجز رئيسها عن حماية رصيفها وملكها العمومي من المصالح الصغيرة لن يستطيع الدفاع عن مصالحها الكبرى.
إذا كان العامل يخطط وينجز ويتابع، وإذا كان رئيس البلدية لا يجد لنفسه سوى حمل الميكروفون والإشادة بما أنجزه غيره، فمن حق المواطنين أن يسألوا: لماذا انتخبنا مجلساً ورئيساً؟
ليس في هذا السؤال أي تحريض على الصراع بين المؤسسات، بل دعوة إلى أن تضطلع كل مؤسسة بمسؤولياتها، وأن تحافظ على مقامها واختصاصاتها.
فالحسيمة تحتاج إلى عامل يقوم بواجبه، وإلى رئيس يقوم بواجبه أيضاً. وتحتاج، قبل كل شيء، إلى رئيس يدرك أن المديح لا يصنع حصيلة، وأن القرب من السلطة لا يعوض الابتعاد عن المواطنين، وأن من يحمل الميكروفون ينبغي أن يكون قادراً، بعد انتهاء التصفيق، على حمل المسؤولية.































