غلبت على مؤلفاته حساسية نقدية خارقة، وضعت مفهوم النقد في موضع التساؤل، وأحلّت مكانه مفهوماً آخر (الجينيالوجي)، لم يكن همه استعادة أصول ممتدةٍ بجذورها في الماضي، بقدر ما وقف عند البدايات الزمنية التي تحرر الحدث وتبرز تفرده واختلافه، إنه فريديريك نيتشه الفيلسوف الذي حدث زارادتش وخلق له لغة جديدة تعيد للأخلاق معنى جديداً.
ويصادف اليوم (15أكتوبر(تشرين الأول)1844) ولادة فيلسوف المطرقة، القطب الذي اهتم بالاختلاف الذي تنساهُ وحدة الفلسفة في تماسكها وتطابقها، لهذا اعتبره كثيرُ من الفلاسفة المعاصرين رائداً لفكر الاختلاف الذي عرف صداه في فلسفات هايدغر، ودريدا، وآخرين، والفيلسوف الذي أحدث انقلاباً هائلاً في ماهية الفلسفة، وفي المنطق الذي حكم تاريخها منذ فجرها الأول مع أفلاطون.
تأثرنيتشه في شبابه بالزعيم بسمارك، ورأى فيه كمالاً للشخصية الألمانية، وعاش طفولة صعبة بعد وفاة والده، وهو في الخامسة من عمره، الشيء الذي خلف صدى كبيراً على نفسيته ووجَّهه إلى التشاؤم، وعلى الرغم من هذه النظرة السوداوية التي نتجت عن فراق أهله، فلقد عشق الموسيقى الكلاسيكية وقام بمحاولات لتأليفها، وقدس الفن.
كان لشوبنهاور تأثير على مساره، حيث انغمس نيتشه في قراءة أعماله، كما درس في الجامعة الفيلولوجيا وتعلم اللغات القديمة ، واهتم في سنة التخرج بالمسرح والفلسفة الإغريقية القديمة، حيث فضَّل الفلاسفة الذريين على الذين ظهروا فيما بعد كسقراط وأرسطو وتأثر بالفلسفة الأبيقورية بشكل خاص.
كانت الوضعية الصحية لنيتشه حرجة، وعلى الرغم من ضعف بصره، إلا أنه استُدعي للخدمة العسكرية في الجيش الألماني، ليعيش تجربة الصرامة بامتياز في ظله، حيث عانى كثيراً، وأدى سقوطه من صهوة حصانه إلى الدفع بقائد فرقته أن يعفيه من الخدمة بعد إصابته، ورغم عودته لبيته وعالمه، إلا أن حدث تجنيده ظل نقطة سوداء في حياته، وبقي طول عمره متأثراً بالحياة العسكرية والأخلاق الإسبارطية التي عرفها في الجيش.
أبدع نيتشه، رغم حياته القصيرة، وكتب كتباً لازالت تحتل مرتبة مهمة في الفكر الفلسفي المعاصر. ومن أهمها نذكر: كتاب”الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي”، و”هكذا تكلم زارادشت”، و”ما وراء الخير والشر”، و”أفول الأصنام”، و”فجر الفكر”، و”جينولوجيا الأخلاق“.
توفي نيتشه في 25 غشت(أغسطس) عام1900، بعد أن خلق معنى جديداً للكتابة الشذرية، تاركاً وراءه زرادشت، ليتابع رحلته ودعوته في التعبير عن أفكار نيتشه التي ربما رأى البعض أنها عنصرية.































