يعاين الباحث التونسي الدكتور حمادي ذويب في كتابه “السنّة بين الأصول والتاريخ”، الصادر في طبعة ثانية ضمن منشورات “مؤمنون بلا حدود” عن المركز الثقافي العربي، الصلات الممكنة بين التفكير الأصولي والواقع التاريخي.
ويمثل الكتاب أطروحة دكتوراة كان تقدم بها الباحث سنة 1993 بإشراف المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي، وكانت موسومة آنذاك بـ”السنّة أصلاً من أصول الفقه إلى نهاية القرن الخامس للهجرة”، وهو مجال زمني ينتهي بصدور كتاب “المستصفى” للغزالي، كما يوضح الكاتب في مقدمة عمله الذي يتجه إلى الفكر الأصولي الدائر على السنّة “باعتباره فكراً بشرياً اجتهادياً، لا وحياً منزّلاً من السماء“.
ويرى ذويب أن “مباحث السنّة في المصادر الأصولية الفقهية ليست مقدسة أو علوية، وإنما هي محض اجتهاد بشري يعكس ثقافة العصور السابقة لعصر الحداثة وتصورات أصحابها المعبّرين عن انتماءاتهم المذهبية والسياسية والاجتماعية”. كما يحذّر من أن “يحتكر التعبير عن الإسلام فريقٌ معين يدّعي أنه يمتلك الحقيقة“.
وتتلخص دوافع الدراسة في “ظهور فهم جديد للتاريخ بما هو معرفة لتاريخية الأشياء ومن ذلك تاريخية النص ومحتواه“. وتجلت هذه المعرفة، كما يقول الباحث، في شكل يغاير المعرفة قبل التاريخية للتاريخ والبنى الأسطورية للعلم التاريخي في العصور الوسطى الإسلامية. وعلى هذه القاعدة “ظهر الوعي بمسألة التحرر من أسطورة السلطة، وتم القضاء على أسبقية المعنى على التفسير التاريخي في مقابل التأويل الذي كان سائداً والذي يفترض معاني النصوص الدينية في ضوء واقعها اللاحق“.
الصراع على النص
ومن الدوافع الأخرى، التي يعددها الباحث، تحول الصراع من مجال الاجتماع والسياسة، أي مجال الواقع، إلى إطار النصوص، “وانجرّ عن تحكيم النصوص في هذا السياق الاجتماعي والسياسي ظهور مبدأ الحاكمية في الخطاب الديني المعاصر الذي أدى إلى هجوم على التفكير العقلي وتكفير المجتمع ورفض الخلاف والتعددية الفكرية والوصول إلى عدمية الجهود الإنسانية“.
مباحث السنّة في المصادر الأصولية الفقهية ليست مقدسة أو علوية، وإنما هي محض اجتهاد بشري يعكس ثقافة العصور السابقة لعصر الحداثة وتصورات أصحابها المعبّرين عن انتماءاتهم المذهبية والسياسية والاجتماعية
ويتتبع الكتاب تطور مفهوم السنّة، انطلاقاً من أصله اللغوي إلى مدلوله الاصطلاحي لدى المدارس الفقهية، وصولاً إلى الأصوليين الذين “حوّلوا مفهوم السنّة الحركي الذي يدلّ على الجريان في أصل اللغة، إلى مفهوم نمطي يثبّت قسراً الإطار التشريعي للعلاقات الاجتماعية داخل أقوال الرسول وأفعاله وإقراراته، بعد تثبيتها داخل القرآن. وهم بذلك، كما يقول محمد شحرور في “الكتاب والقرآن” يرفضون تاريخية السنّة “لذلك ليس غريباً أن نجد في عصرنا من يصرّح أن هذا التعريف الأصولي للسنّة خاطيء، وأنه كان سبباً في تحنيط الإسلام“.
ويلاحظ الباحث حمادي ذويب أن “انشطار مدونة الحديث يبرز المنشأ التاريخي لهذا التراث الذي يعكس صراعات الواقع العنيفة بين أهل السنّة وأهل البيت والخوارج. ويمكن أن نستشف تلبّس هذه المدونات بالفعل الأيديولوجي من خلال نماذج لا تكاد تحصر، منها أن السلطة الأموية هي التي قررت تدوين الحديث، فعهدت لابن شهاب الزهري (ت124هـ) بهذه المهمة“.
ويعتبر الباحث أن هذا القرار يعود أساساً إلى أن “الحديث تجاوز مجال المقدس، ليصبح سلاحاً مذهبياً يمكن أن يشكّل خطراً على السلطة القائمة بسبب قوة تأثيره أو قدرته (التجييشية) للمسلمين، وهو ما كان ينبغي أن يوضع له حد“.
ويفسر حاجي خليفة في كتابه “تفسير الظنون” حركة التدوين بعوامل اجتماعية سياسية: “ولما انتشر الإسلام، واتسعت الأمصار، وحدثت الفتن واختلاف الآراء، وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، أخذوا في تدوين الحديث والفقه والقرآن“.
السنّة والقرآن
ولدى تناوله مبحث “السنّة والقرآن” يذكّر ذويب عندما يتحدث عن “تخصيص السنّة وعموم القرآن” بأن هذه المسألة “من أهم تجليات تفاعل أصول الفقه من جهة، وارتباط النصوص القرآنية ونصوص الحديث النبوي بصلات شتى لعلّ أهمها اعتمادها نفس الرصيد المعجمي وهو رصيد اللغة العربية من جهة أخرى”. بيْد أن ذلك ساهم في “تكريس الاتجاه الأصولي الذي ينصبّ اهتمامه بالنص على اللفظ أولاً والمعنى ثانياً. وكان من جراء ذلك أن أخذ الفقهاء يشرعون للفرد والمجتمع، انطلاقاً من تعقّب دلالة الألفاظ على المعاني، فأبعدهم ذلك عن استكناه مقاصد التشريع“.
وفيما خص مسألة نسخ القرآن للسنّة أو بالسنّة، يرى الباحث أن النسخ، من زاوية تاريخية، “لم يكن إلا حلاً واجه به المفسرون ثم الأصوليون إشكالية وجود الآيات التي تشتمل على حكم يخالف حكم الآية الأخرى”. ويتساءل: “إذا كان هذا الحل حدث في ظرف وجيز جداً، فكيف العمل وقد مضت مئات السنين على أعمال المفسّرين واجتهادات الأصوليين؟“.
اختزال معاني النص الديني في معنى وحيد أخير يتناقض مع حقيقة تعددية معاني كل نص باعتباره بناءً لغوياً من علامات ذات دلالات لا تكاد تحصر
إن اختزال معاني النص الديني في معنى وحيد أخير يتناقض مع حقيقة تعددية معاني كل نص باعتباره بناءً لغوياً من علامات ذات دلالات لا تكاد تحصر. وبهذا الفهم، يقول الباحث، فإن “النص لا يستجيب للتفسير الأحادي، وإنما يميل إلى (الانفجار) والانتشار، معتمداً على اتساع مجاله الإشاري. إن النص إشارة مفتوحة على عدد لا نهائي من المشيرات والمضامين“.
ويشدد الباحث، في خلاصته كتابه، على أن المنظومة الأصولية أصبحت في عصرنا الحديث “منظومة جامدة قديمة المعاني والقيم، لا تتطابق أحكامها واجتهادات أصحابها مع الواقع الموضوعي جزئياً أو كلياً، لأنها فقدت صلتها بالتاريخ، وأصبحت غير قادرة على استيعاب المستجدات“.
ويدعو الباحث، للخروج من هذا المأزق، إلى “نقد المنظومة التقليدية التي تأسست عليها العلوم الدينية” فهذه المواجهة “ضرورية لتعميق فهمنا للفكر الإسلامي القديم وآلياته ومختلف منتجاته”. كما أنها مدعوة إلى “تجاوز الرؤية الافتخارية والتمجيدية والدفاعية والانتقائية للتاريخ الإسلامي، لإرساء نظرة شمولية تاريخية لا تهمل أي موقف ولا أية فئة“.
ويقر الباحث ذويب بأن تحقّق ذلك “مرتهن بالنقد الموضوعي على قاعدة مكتسبات الثورة المعرفية في جميع العلوم ومقتضيات الإنسان الحديث التاريخية، وبذلك يمكن أن نعدّل ساعتنا على عقارب عصر الحداثة، ولا نجعل من فهمنا القاصر للتراث وسيلة محاربة للعلم ومكتسباته“.






























