لأن الحرية لا يمكن أن تجزّأ. إنها قيمة مطلقة لكل البشر بغض النظر عن الجنس واللغة والعرق والدين، يتمتع بها الفرنسي والتونسي والمسيحي والعربي والهندوسي على حد سواء.. وإذا مست دائرة حرية أحدهم ثار له العالم بأسره. هكذا أفهمها، أما أن تنقلب الدنيا رأساً على عقب من أجل حرية الأوروبي إذا خدشت، ويصمت العالم عن حرية الموريتاني أو السعودي، فلا يحرك أحد ساكناً، فهذا ما يجعلني أصرخ بكل قوة..
أنا لست شارلي..
ففي الوقت الذي تنظم فيه فرنسا مليونيات على الطريقة الهوليودية، كي تكون لفرنسا أحداث حادي عشر من سبتمبر بدورها، وكي تقنع الفرنسيين بأن طائراتها في ليبيا وفي سوريا وفي مالي، لم تقصف غير هؤلاء الإرهابيين، في الوقت نفسه يواجه وليد امخيطير عقوبة الإعدام لأن محكمة أرضية “غضبت لله” ورأت أنه أساء إلى الرسول، وفي الوقت نفسه حكم على رائف بدوي بالسجن عشرة أعوام، وجرّ إلى ساحة عامة، فأنزل من سيارة الشرطة وتلقى أول حصة جلد، خمسين جلدة، قسطاً أول من الجلدات الألف الإضافية للعقوبة السجنية، ورغم كل هذا لم تنظم فرنسا ولا غيرها من المدن الأوروبية مليونية، ولا مائوية حتىّ، فحتى الشارع الفايسبوكي العربي الذي تفاعل كالمعتوه، وأخذته حمى الأحداث فصاح “أنا شارلي”، لم يكن يهمه كثيراً ولد امخيطير، ولا رائف بدوي، ولا غيره من المواطنين العرب، سوى بعض الشرفاء ممن لم تمت في دواخلهم المشاعر الإنسانية. لم تتحرك فرنسا ولا غيرها من الدول لأن النفط أغلى من البشر دائماً، والمسألة بالنسبة إليهم اقتصادية، فما المشكل إن أعدم هذا أو جلد ذاك، مادامت الدجاجات تبيض نفطاً وغازاً وذهباً؟
أنا لست شارلي..
وكيف أكون شارلي ومن ينادون اليوم بـ”مسيرة الجمهورية” هم من يباركون الإرهاب ويغطون جرائم مرتكبيه في السعودية، وغيرها من الدول، التي “تحارب الإرهاب” خارج أسوارها، وتطبق في الداخل أبشع مما يتصوره عقل بشر. فما الفرق بين حد الردة وجز الرؤوس بالسيوف وعقوبة الجلد وحرمان المرأة من قيادة السيارة؟ لا فرق طبعاً، لا فرق في هذا بين داعش ومن يطبق هذه الحدود، فكلاهما يطبق “شرع الله”، وكلاهما يصدر عن لا وعي متأكد من أنه على حق والكرة الأرضية على خطإ. فكيف أضم صوتي إلى “فرانسوا هولاند” الذي تتعامل طائراته وقنابله مع الإرهاب جغرافياً: يصمت عنه في هذه المدينة و”يقاومه” في تلك؟ ثم أليس صاحبنا هو من سلح الإرهاب في سوريا والعراق ثم نادى من أعلى برج “إيفل” بأنه رسول مقاومة الإرهاب؟
أنا لست شارلي..
لأن ولد امخيطير يواجه عقوبة الإعدام بتهمة “الإساءة إلى الرسول” من طرف نظام يجوّع أبناءه، ويكرس ذهنية العبودية والميز العنصري، ونحن في القرن الواحد والعشرين.. كل ذلك يتم على مرأى “بلد الأنوار” ومدينة “الحرية المطلقة” والسواد الأعظم من “الثقفوت” عندنا.. ولا أحد يحرك ساكناً. وإذا كانت “شارلي” قد وجدت حاضنة إعلامية لها زبائنها وزبانيتها ممن يصنعون الحدث، فإن ولد امخيطير تحاك قضيته في ظلام دامس، سوى بعض الأقلام الجريئة ممن همهم الموضوع. أليس إعدام ولد امخيطير، الذي أعلن التوبة كما يشترط “القانون”، وأصرت “المحكمة” على نفاذ الحكم، حدثاً جللاً وجريمة دولة لا تبعد عن جلد الناشط السعودي أو قتل رسامي “شارلي”؟ ألا يستدعي ذلك بيان استنكار يتيماً؟ أم إن الحرية فرنسية أو لا تكون؟ أم هل نعيش زمن الوجه والقفا؟؟
“كلنا شارلي” التي يمشي فيها الضحية محمود عباس ومن ورائه يمشي الشعب الفلسطيني مشدوها.
أنا لست شارلي..
لأن رسامي “شارلي” الذين قتلوا في الأحداث الإرهابية الماضية، ليسوا أغلى عندي من ناجي العلي، زميلهم الذي قتل في حضن “أعتى” الديمقراطيات، في جريمة إرهاب دولية، صمت عنها العالم، وصمتت عنها “مدينة الأنوار والحرية”؟ أليس ناجي العلي ريشة حرة خيرت مواجهة الدبابات الصهيونية بقلم الرصاص؟ ألم يتم اغتياله لإيمانه بحرية التعبير والصحافة، رغم أنه لم يسخر من يهود ولا من عجم ولا من بربر ولا من هندوس ولا عادى سامية، ولا كانت المسألة الدينية تعنيه أصلاً؟ فلماذا تصمت فرنسا عن هذه القضية وتنتفض لتلك، رغم أن التهمة واحدة: الرسم، والقتيل واحد: رسام، والقاتل واحد: الإرهاب؟
أنا لست شارلي..
لأن يد “بلد الديمقراطية والحرية” ملوثة بالدماء، والرصاصات التي أطلقت على رسامي شارلي، هي نفس الرصاصات التي تنقلت إلى تونس، وجثمت على صدرها عشرات الأعوام واغتالت أشرف أبنائها. هل أنسى الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 1952، لما قتلت اليد الحمراء فرحات حشاد الزعيم الأول في تونس حينها، والشخصية التي لم ينجب تاريخ تونس مثيلاً لها؟ لا يزال القاتل يجول في شوارع باريس إلى حد هذه اللحظة، “مرفوع الهامة” فخوراً بما أنجز، بل إنه قال في تصريح تلفزي: “لو أعاد التاريخ نفسه لفعلت الشيء نفسه. لست نادماً”، لأنه يدرك جيداً أنه محمي بمدينة “الأنوار والحرية”. ولا يزال أرشيف القضية – حتى الأرشيف – مقبوراً في باريس يرفض “هولاند” الإفراج عنه إلى حد اللحظة، ولا اعتذار عما حصل من تقتيل وتذبيح.
أنا لست شارلي..
لأن رئيس وزراء بني صهيون الذي يمشي في الصف الأول هو أول إرهابي في العالم، وفي رصيده، في الحرب الأخيرة على غزة وحدها، 17 صحفياً، قتّلتهم طائراته وهو يؤدون واجبهم.. هو غاصب الأرض والأنفس والدماء.. الإرهابي الأول يمشي في مسيرة “كلنا شارلي” التي يمشي فيها الضحية محمود عباس ومن ورائه يمشي الشعب الفلسطيني مشدوها، أمام أغرب توليفة مضحكة ساخرة مقرفة في جمعها بين الجلاد والضحية..
أنا لست شارلي يا فرنسا..
لأن دماء الشعوب التي اغتصبتها لا يزال نابضاً فيّ، ولا يزال وجهك الملطخ بالدماء يأبى الاعتذار عن المجازر التي ارتكبت في حق التونسيين والجزائريين والمغاربة والسوريين والقائمة طويلة.. وسأكون شارلي يوم تتعرين على قمة برج “إيفل” لتعلني المسؤولية التامة عن أشرس إرهاب مورس في التاريخ، وتعتذري عنه: مليون شهيد في الجزائر وحدها دون باقي المستعمرات. سأكون شارلي يوم يغيّر الجزائريون بمحض إرادتهم، كلمات نشيدهم الوطني، أو يحذفوا منه الأبيات التي تتحدث عن عنجهيتك على الأقل، بعد أن تعتذري عما اقترفت، حينها ربما سأفكر في أن أكون “شارلي”.. وسأكون “شارلي” عندما أشعر أن الحرية قيمة مطلقة مقدسة في كل مكان وزمان، دون ارتباط بالأشخاص والولاءات والمصالح..
وإلى الرسامين الذين قتلوا في واقعة “شارلي” أقول: إن حرب البندقية على الإبداع قديمة.. بدأت بتسميم “سقراط” أمام الملإ.. ولن تنتهي بكم.. ولكن الحرية باقية ما بقي الإنسان.. والإبداع أقوى من أن تغتاله رصاصة.. ها سقراط بيننا لما يزل.. وبيننا آلاف العلماء والفلاسفة والمفكرون الذين قتلوا وصلبوا وعذبوا وأحرقوا في الساحات العامة.. ذهبت الأجساد وبقيت الأفكار حية فينا.. فلا صوت يعلو صوت الفكر.. ولا قيمة تسمو فوق الحرية.
المصدر: مجلة ذوات






























