التبريس.
انعقد يوم 31 يناير 2015 بالمركب الثقافي والرياضي بالحسيمة، ندوة علمية حول دور البحث العلمي في التأسيس للخطاب الأمازيغي المعاصر، وبعد استقبال المشاركين وتسجيلهم وتسليمهم ملفات الندوة، افتتحت الندوة العلمية بإعطاء الكلمة لرئيس المركز الدكتور قسوح اليماني، الذي قدم تعريفا للمركز وسياق تأسيسه وأهدافه وآليات اشتغاله، وانفتاحه عن جميع الباحثين والأساتذة المهتمين بقضايا الأمازيغية والريف عموما، كما تحدث عن أهمية هذا النشاط باعتباره باكورة أشغال المركز وبدايته العملية الأولى. كما شكر جميع المساهمين في هذا النشاط والمدعمين له بأي صيغة كانت.
بعد ذلك بدأت الجلسة الأولى المتمحورة حول الأدب الأمازيغي، بمشاركة الأساتذة حسن بنعقية وجواد الرضواني وعبد الرزاق العمري فيما اعتذر ذ. يونس الزوين عن الحضور لظروف طارئة. وقد أشرف على تسيير هذه الجلسة الدكتور خالد المنصوري نائب رئيس المركز الذي رحب بالحاضرين من أساتذة وطلبة وعموم المهتمينّ، كما تحدث عن سياق هذه الندوة العلمية وأهميتها في المرحلة الراهنة وهنا بالريف خصوصا لشح بل لانعدام مثل هذه المبادرات التي تروم تشجيع وتطوير آليات البحث العلمي…
الأستاذ حسن بنعقية الباحث بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور تناول موضوع: «Amazighité, traduction et littérature nationale » (الأمازيغية، الترجمة والأدب الوطني)، تساءل عن الأدب الأمازيغي وموقعه، وموقع الأمازيغيين؟ كما طرح إشكالية حرف كتابة ألأمازيغية لتعدد الصيغ الكتابية ما بين اللاتيني والعربي وتيفيناغ، حيث كتب الأدب الأمازيغي بالحروف الثلاث.. كما تحدث عن أهمية الكتاب المؤسس لأي أدب، وعد توافر إيمازيغن عن أي كتاب مؤسس كما العددي من الآداب والشعوب واللغات العالمية..
كما تحدث عن شفوية الأدب الأمازيغي وغلبة هذا النمط على الكتابة، التي لابد من التفكير فيها بما تحتاجه وتستلزمه من قواعد، يعتقد أنها غير متوفرة حاليا…
من ثم طرح قضية الترجمة باعتبارها مخرجا من الكتابة الدبية باللاتينية والعربية إلى الأدب الأمازيغي. كما طرح العديد من الأسئلة من قبيل ما هو الدب الأمازيغي؟ ما الذي يجمع الكتاب الأمازيغيين؟ باعتبارها أسئلة تأسيسية ضرورية ومنهجية لدراسة الأدب الأمازيغي..
كما أشار إلى أهمية احترام الضوابط التي تقتضيها الكتابة الأدبية التي يجب أن تبتعد عن العشوائية… كما تحدث عن الأديب الأمازيغي القديم “تيرونس” الذي استفاد منه الكتاب الأوربيون ولم يستفد منه الكتاب الأمازيغيون المعاصرون…
المداخلة الثانية كانت للأستاذ الجامعي بكلية الآداب بفاس الدكتور جواد الرضواني حول موضوع: “دور الدراسات الأدبية في التأسيس لخطاب أمازيغي معاصر واضح المعالم والمسار” منطلقا من الأرشيف الأدبي لفهم الآداب وآليات اشتغالها، وإخضاعه للبحث، متحدثا عن التحولات البنيوية في الآداب والقواطع التي عرفتها… كما تحدث عن أجناس الأدب الأمازيغي من مسرح وأدب رحلة وشعر… التي تحتاج لدراسات معمقة ومكثفة لكشف أوجهها المختلفة والمتنوعة من أجل فهم الذات… فالأدب بتعبيراته الشفوية أو الكتابية له مكانة رفيعة في حياة الأشخاص، حيث يمكن استعماله كأداة توعية وتوجيه وتأطير… فالأدب ليس فقط نصوصا جميلة بل هو في جوهره كل مجالات الاهتمام الإنسانية…
كما انتقل الباحث في الشق الثاني من موضوعه للحديث عن دور الكتابة الأمازيغية في التأسيس للخطاب الأمازيغي الأكاديمي واضح المعالم والمسار، متسائلا حول سبل النهوض بالخطاب الأمازيغي الأكاديمي. ذلك الخطاب الأمازيغي المعاصر الذي يتسم بكل المعايير العقلانية والحداثية…
المداخلة الثالثة كانت للأستاذ عبد الرزاق العمري الباحث الجامعي والإطار التربوي وعضو المكتب التنفيذي للمركز، حول موضوع: “مساءلة الجنس الأدبي: القصة القصيرة الأمازيغية أنموذجا”، حيث انطلق من مفادها أنه ليس هناك أحد يعطي تعريفا للجنس الأدبي فهو مؤسسة تعاقدية… متحدثا عن القصة القصيرة التي تعتمد على التكثيف- الإيحاء- الرمز- موضوعها صغير وعابر… غير أنها تقتض احترام مجموعة من القواعد تتلخص في ثلاث وحدات هي وحدة الحدث – وحدة الفضاء الزمني – وحدة الشخصية…
متناولا بداية ظهور الكتابة القصصية الأمازيغية بالريف منتصف السبعينات، ثم في أوربا نتيجة تحولات وإفرازات الهجرة والغربية… وفي سنة 2006 ظهرت ثلاث مجموعات قصصية بالريف لكل من محمد بوزكو ومايسة رشيدة وسعيد بلغربي… مع مجموع لا يتعدى اليوم 13 مجموعة قصصية قصيرة بالريف…
كما تناول إشكالية القراءة والكم حيث تطرح العديد من التساؤلات… كما أن موضوع أو تيمات الكتابات القصصية لا يخرج عن إشكاليات الهوية والانتماء… رغم أن الجيل الجديد من كتاب القصة بالريف يتناولون جوانب رومانسية وغنائية كما يكتبون بمنظور إديولوجي تقدمي…
وبعد انتهاء مداخلات الأساتذة المحاضرين، وبعد جلسة شاي قصيرة استأنفت أشغال الجلسة، حيث أعطيت الكلمة للحضور بالقاعة الذي أغنى بمدخلاته وإضافاته القيمة محور الجلسة الأولى من الندوة العلمية…
في الفترة المسائية انطلقت على الساعة الثالثة بعد الزوال الجلسة الثانية التي تمحورت حول اللسانيات والأنثروبولوجيا والتاريخ. والتي سيرها عضو المجلس الإداري للمركز الدكتور عمر أشهبار، الذي قدم الأساتذة المشاركين، ونوه باعتذار الأستاذ رشيد الحاحي لظروف قاهرة، ورحب بالحضور الذي أبى إلا أن يواكب هذا المحفل العلمي المتميز…
كانت المداخلة الأولى كانت للأستاذ حسن الشهباري الباحث بالكلية المتعددة التخصصات بتارودانت حول:
«LE DISCOURS LEXICOGRAPHIQUE AMAZIGHE AU MAROC : ETAT DES LIEUX, ENJEUX ET PERSPECTIVES »
تناول فيها الإنجاز المعجمي ضمن الحركية العلمية والثقافية الأمازيغية في المغرب، مبرزا الوضعية الراهنة بإنجازاتها وتراكماتها في مختلف مناطق المغرب، وكذا رهانات وآفاق البحث العلمي في الجانب المعجمي باعتبار أهميته الكبرى في تدعيم الإنتاج الأدبي والثقافي الأمازيغي في عموميته…
مشيرا للأعمال المعجمية المهمة لكل من محمد شفيق ومحمد سغوال وميلود الطايفي وميمون حمداوي وعبد الله بومالك وأمينة لفقيوي ومعاجم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ومجموعة من المعاجم المنجزة في إطار البحث العلمي الجامعي والتي مازالت حبية المكتبات الجامعية…
متحدثا عن أفاق البحث المعجمي وأولويته الملحة لتطوير قدرات اللغة الأمازيغية وتقوية عرضها في السوق الرمزية الوطنية لخدمة الأدباء والكتاب اللغة الأمازيغية…
المداخلة الثانية كانت للأستاذ الباحث إدريس رابح حول موضوع: “الأدب الأمازيغي في إطار التهيئة اللسانية الأمازيغية: أي مقاربة وأي تدبير” تناول في تمهيده وضعية اللغة باعتبارها تمظهرا للهوية، مشيرا إلى أن اللغات الشفوية كما اللغات الكتابة لها قواعد مرجعية متفق عليها، وأن اللغات الكتابية أكثر قدرة على التجديد واستيعاب المفاهيم وأداء وظائف أخرى. معتبرا أن الأدب الشفوي هو الوسيلة الأكثر مصداقية للتعبير، باعتباره يلعب دورا قويا في تعزيز الهوية الخاصة لأي شعب وثقافته، كما يتميز بالديمومة والوفاء والاستقرار…
كما تناول خصوصيات الأدب الأمازيغي باعتباره يعيش مخاض الانتقال من مرحلة الشفوية لمرحلة الكتابة، مبرزا أن عموم الأدب الأمازيغي الحديث ظهر مع بزوغ مطالب الحركة الأمازيغية، متميزا في نفس الوقت بفساحة مجال الانتشار على مستوى المغرب… فيما أن اختلاف أنماط إنتاج الدب الأمازيغي راجع لغياب وسائط ال لاتصال أو بالأحرى تغييبه عن هذه الوسائط…
كما تحدث عن مفهوم وأشكال التهيئة اللسانية، مستشهدا بمختلف اللغات العالمية التي خضعت للتهيئة اللسانية في مرحلة من تاريخها، باعتباره هذه التهيئة خطوة ضرورية من أجل ضمان حياة أي لغة، كما يجب أن تؤطرها جهة واحدة لضمان وحدتها… مع الإشارة إلى أن التهيئة اللغوية تعتمد مجموعة من المقاربات المختلفة من بينها:
تهيئة لهجة معينة وفرضها على سائر اللهجات
توحيد الفروع على شكل لغة هجينة
إعداد لغة مختبرية
متسائلا عن غائية وأهمية التهيئة اللسانية للغة الأمازيغية؟ وعن كيفية توحيد الأدب الأمازيغي؟ مقترحا مراعاة ألا يكون التوحيد على حساب الهوية وكذا التدرج…
المداخلة الثالثة والأخيرة في هذه الجلسة الثانية كانت للأستاذ الصحفي والبحاث في مجال التاريخ محمد زاهد عضو المكتب التنفيذي للمركز حول: “دور البحث التاريخي في بروز النضال الأمازيغي” معتبرا أن التاريخ ساهم بشكل كبير في بلورة الخطاب الأمازيغي المعاصر، حيث تم تصحيح مجموعة من المفاهيم من بينها مفهوم الوطنية وكذا الفتح الإسلامي… كما أن البحث التاريخي كشف عن مجموعة من الحقائق الجديدة وصحح أخرى… وتوظيف هذا البحث التاريخي العلمي أدى إلى القضاء على الأسطورة والخرافة التي كانت تغلف الكتابات التاريخية المؤدلجة….
أي أن بروز الخطاب تاريخي معاصر ساهم في بروز وبلورة خطاب أمازيغي معاصر، معتمدا أسئلة التاريخ والهوية والثقافة… فضلا عما راكمته مختلف الحقول المعرفية من إنجازات ساهمت في بلورة الخطاب الأمازيغي المعاصر…
بعد انتهاء مداخلة الأستاذ محمد زاهد أعطى المسير الكلمة للحضور في القاعة الذين أثروا بمداخلاتهم وتساؤلاتهم عروض الأساتذة الباحثين..
بعد انتهاء النقاش وبعد استراحة شاي قصيرة انطلقت الجلسة الثالثة حول محور اللغة والسياسة العمومية، التي سيرها أمين مال المركز الأستاذ محمد بنيوسف، والتي شارك فيها بالمداخلة الأولى الدكتور مصطفى القادري أستاذ باحث بالمعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط، حول موضوع: “الدولة الوطنية وما بعد الوطنية”، والذي تناول فيه وضعية إيمازيغن والأمازيغية في فترة الاستعمار وما بعد الاستعمار… مؤكدا على أن الأمازيغية وبعد 60 سنة من الاستقلال لم تحقق أي شيء، حيث اعتبر هذه السنوات الستين بمثابة سنوات الضياع والتهميش… كما تحدث عن من كان يتحدث باسم إيمازيغن ويدعي تمثيله لهم في المشهد السياسي الرسمي…
المداخلة الثانية كانت للدكتور الحسين فرحاد حول موضوع:
«L’enseignement et la standardisation de l’amazighe marocain» حيث تحدث عن تجربة تدريس الأمازيغية في المدرسة المغربية التي انطلقت منذ سنة 2003 في أفق تعميمها على جميع المستويات عموديا وأفقيا من الابتدائي إلى الباكالوريا في أفق 2010، غير أن الواقع العملي يؤكد أن الوزارة لم تستطع تعميمها حتى في التعليم الابتدائي إلى يومنا هذا، بل أغلب المدارس لا تدرس فيها والمفتشون لا يراقبون تدريسها لما تقتضيها هذه المراقبة من إعداد لتقارير باللغة الأمازيغية وحرفها تيفيناغ… متحدثا عن سياق معيرة الأمازيغية وقبلها تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، واعتماد حرف تيفيناغ كحرف رسمي للكتابة…
كما قدم نماذج للدراسة والتحليل من نصوص الكتاب المدرس الأمازيغي استنتج منها أن نسبة ما يفهمه الطفل الريفي منها ضعيف جدا مقارنة بما يفهمه الطفل في باقي المناطق الأمازيغية المغربية…
المداخلة الثالثة كانت للأستاذ رمضان تواتي الباحث الأمازيغي القبائلي في سلك الدوكتوراه في جامعة في جامعة إيكس-مارساي بفرنسا، وذلك حول موضوع:
« La nouvelle politique linguistique officielle de l’Algérie et du Maroc entre normalisation et nationalisation »
تحدث فيها حول السياسة اللغوية الرسمية لكل من المغرب والجزائر في إطار تعاملهما ومقاربتهما لنضالات الحركة الأمازيغية، حيث تحدث عن تأسيس المندوبية السامية للأمازيغية بالجزائر كمقاربة رسمية لكبح نضالات إيمازيغن بالجزائر، وذلك بعد السنة الدراسية 1994 التي عرفت الإضراب الشهير بإضراب الحقائب الذي تمثل في إضراب عام عن الدراسة والتدريس بكامل مناطق القبايل… وهو نفس السياق الذي أنتج الاعتراف الرسمي في دستور الجزائر بالأمازيغية لغة وطنية…
منتقلا للحديث عن التجربة المغربية التي لا تختلف كثيرا عن التجربة الجزائرية في إطار مقاربة القضية الأمازيغية وإن كان الفارق فقط زمنيا، حيث أنشأ المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2002 كشبيه للمندوبية السامية بالجزائر وهو معهد استشاري بجانب الملك… متحدثا عن سياق تدريس الأمازيغية في البلدين والمشاكل والمعيقات الكثيرة التي ما زالت تحد من نجاح هذه التجربة…
بعد انتهاء مداخلات الأساتذة المحاضرين أعطيت الكلمة للحضور الذي أغنت مداخلاته وتساؤلاته وأفكاره الجلسة العلمية الثالثة من هذه الندوة العلمية المتميزة.
وفي الختام سلمت الشواهد التقديرية للأساتذة الباحثين الذين شاركوا في الندوة وكذا لكل الفاعلين الذين ساهموا في إنجاحها كل بما ساهم به من مجهود مهما كان بسيطا..
وقبل الختام تقدم الأستاذ جمال بوزياني الباحث الجامعي وعضو المكتب التنفيذي للمركز، باعتباره منسقا للجنة صياغة التوصيات، بقراءة هذه الأخيرة التي تم استنباطها جلها من مداخلات ومحاضرات الأساتذة المشاركين.
كما تجدر الإشارة في ختام هذا التقرير للمعرض المهم للكتاب الأمازيغي الموازي لأشغال الندوة والذي نظمته كتبة الجرموني بالحسيمة كمساهمة قيمة في إنجاح هذا النشاط العلمي.
المصدر: إنجاز: الأستاذ محمد المساوي







































