كل ما جاء به الدستور الجديد من ضمانات حقوقية أتى عليها مشروع القانون الجنائي الذي كاد أن يجرم أي حركة فكرية وإعلامية ..حتى في أبسط صورها وإعطاء للقاضي الجنائي حرية واسعة في تأويل النصوص وتكييفها وفق الظرفية العامة ، هكذا أصبح الوضع أشبه بمن تصدق على متسول أمام الملا ثم انعطف وأتى على الصدقة وعلى أسمال المتسول !
يظهر أن الدستور الحالي، الذي أملته ظرفية استثنائية، كان للاستهلاك الخارجي وامتصاص غضب الشارع وكل ما جاء به من حقوق ظلت مقيدة بما ينص عليه القانون العادي أو التنظيمي، حيث أن عدم احترام مقتضى دستوري محدد بموجب النص وصرفه بعدم صدور القانون ينظم شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق بمثابة التفاف على جوهر هذا الحق، ويكون هذا المشرع قد رسم نصا فارغا من محتواه وهو محض عبث، ونستحضر مشهدا تاريخيا لحكومة روبير بييرس ما بعد القضاء على النظام الملكي التي أتت على جميع مكتسبات الثورة الفرنسية وعلى أقطابها فشُبِّهَت بالهِرّة التي تأكل أبناءها.
ولعل أهم ما يتستر عليه مشروع القانون الجنائي هو الالتفاف الممنهج على المنجز التاريخي للثورة المعلوماتية واستهدف بشكل عميق الاعلام الاللكترونية لكونه فعال ويدق أسوار الفساد ويعري بواطن المفسدين بالسرعة اللازمة .
وبما أن القانون الجنائي بأخر تعديلاتها لسنة 2011 فإنها لم تستطع أن تتضمن نصوصا مجرمة في المجال الإعلامي ، وبما أن عقلية القوى المحافظة أن تجهد رأيها في تعديل منظوماتها الجنائية بتفريخ نصوص أغلبها تستهدف حرية الرأي لا من حيث الحماية وإنما من حيث الاجهاز على تبقى من الفكر التنويري الذي كان وليد الثورة المعلوماتية أسوة بباقي الدول العربية التي حاولت تجريم حرية الصحافة بل وذهبت بعض القوى الرجعية إلى استصدار فتوى بتحريمها ، ويبدو من الساهرين على ترتيب مثل هذه النصوص وصياغتها كمشروع إنما اهتدوا واقتادوا بأسلافهم التي لا ترى سبيلا لإنماء ثقافة شعوبها من المعلومات ..
فهل تعرفون أن كل من انتقد “شكل الحكومة” يكون معرضا للإعدام بموجب المادة 163 من مسودة القانون الجنائي وهذه أغرب سقطات هذا المشروع لأنه يكمم أفواه المعارضة بحيث يجعل من المطالبة بإسقاط الحكومة واستبدالها بحكومة بشكل سياسي آخر معرضا للإعدام .
مسودة القانون الجنائي كتبت بلغة مطاطية قابلة للتأويل وتطلق اليد الطولى للقاضي في تكييف النصوص وفق موازين القوى السائدة ، ولعل تنصيصها على التآمر على الأمن الخارجي بالشكل الذي نزله المشروع ينطوي على مخاطر جمة تجعل أي متعامل مع قوى أجنبية التي وردت هكذا بالتعميم بمثابة تأمر على الدولة يحاكم بموجبه بتهمة الخيانة ، حيث أن حساسية النص كان يفترض تقييده بجملة من المعايير الواضحة حتى لا يصبح سيفا مسلطا على رقاب القوى المعارضة التي يسمح لها القانون الدولي بتقديم شكوى دولية ضد استبداد الأنظمة .
إن الإصلاحات التي تطال المنظومات القانونية المغربية لا تهدف إلى ترميم ما أصبح لا يتساوق ومتغيرات الظرفية العامة ، بقدرما تجهز على ما كان يجب إصلاحه على شاكلة الأنظمة الديمقراطية التي عرف عنها استقرارا منظوماتها القانونية وعدم تذبذب الملوحين بالإصلاح في كل وقت وحين كلما استفاقوا على وقع حادث فجائي حتى أضحى الفرد المغربي ينام على قانون ويستفيق على قانون بفعل خصوبة الإنتاج وتفريخ النصوص التي لا تجد مجالا للتطبيق الفعلي وأغلبها كان إسقاطات لقوانين ، بعد تحويرها، تعكس خصوصيات دول معينة يأخذ منها ظاهرها من أجل الاستهلاك الخارجي .
علي بلمزيان































