التبريس.
لئن كان ثمة فضيلة في الدعوة إلى “مليونية خلع الحجاب” في ميدان التحرير بالقاهرة، فهي أنها أعادت السجال حول حقوق النساء في العالم العربي، والأولويات التي يتعين النظر إليها لتحسين أحوال المرأة والارتقاء بها، وإنصافها وصيانة ذاتها وحقوقها، وحمايتها من أن تكون مرتهنة لمزاجية المجتمع الذي يهيمن عليه الذكور والقوانين البطريركية والعادات المتخلفة التي تربط جسد المرأة بالعار.
ولعل في اختيار ميدان التحرير لتنفيذ هذه التظاهرة دلالة رمزية، فهو المكان الذي احتشدت فيه الجماهير لخلع الرئيس الأسبق حسني مبارك في أكثر الأحداث ثورية في التاريخ المصري المعاصر. ولم يغفل دعاة المليونية هذا الحدث، فهم يرومون خلع الحجاب، ما داموا قد خلعوا رئيساً كان يمكن أن يظل رابضاً على قلب مصر حتى يدهمه الأجل المحتوم.
بيْد أن الأمر ليس على هذا النحو من المضاهاة بين خلع الرئيس وخلع الحجاب، ولو أنهما يشتركان في جذر واحد، وهو الفعل الثوري الراديكالي. على أن خلع الحجاب أشد صعوبة من خلع الرئيس!
وتتجلى الصعوبة في أن الحجاب تتداخل فيه عناصر دينية واجتماعية وشخصية، فضلاً عن كون الدعوة لخلع الحجاب آتية من منطقة الذكورة، وهو أمر يقلل من الحماسة إليها، لأنها تؤبّد، بحسب كثيرات وكثيرين، النظرة المتغطرسة التي يمارسها مجتمع الرجال، أو ما جرى اختصاره بـ”سي السيد” الذي يأمر وينهى، ويعطي ويحجب، ويقمع المرأة ويمنحها حريتها مثل أي إله أو حاكم أو مستبد.
وغيرَ بعيد عن الحدس أن نتوقع أن مراد الداعين إلى المليونية المنشودة هو المجابهة مع التيارات السلفية التي تريد تأميم المرأة، باعتبارها معطى من حق التيارات الإسلاموية أن تحتكره وأن تنمّطه، وتحبسه في سجن التعاليم التي تَفرض عليه، بقوة نصية غاشمة ومتوهّمة، كيف يتحرك وماذا يلبس أو يأكل أو يشرب، وكيف يجلس، وبأي نبرة يتحدث، وكيف يدير شؤون حياته الصغيرة والهامشية التي لم يترك الفقه الذكوري أي شاردة أو واردة إلا وشملها في فضائه الذي بلا ضفاف!
المجابهة مع التيارات السلفية التي تختطف الإسلام أمر ضروري ما دامت تحتل الفضاء العام وتعيث فيه أحياناً تكفيراً وتنشر قيماً رجعية تجرّ المجتمع إلى الوراء كثيراً
على أن المجابهة مع التيارات السلفية التي تختطف الإسلام أمر ضروري ما دامت تحتل الفضاء العام وتعيث فيه أحياناً تكفيراً وتنشر قيماً رجعية تجرّ المجتمع إلى الوراء كثيراً، إذ يتجلى هذا النزوع الرجعي في ميدان التعاطي مع النساء التي أباح العقل الذكوري المأفون أن يقترن الرجل بأربع منهن، وفق ما تقتضيه نزوعاته الشهوانية، ورغبته المتواترة في التغيير، ومجاراة آخر الموديلات وأحدث الأعمار، من دون التفات لشرط العدل والكرامة والإحسان، ولا اعتبار للتطور الحضاري الذي انتزعت النساءُ بموجبه حقوقهن، وصرن قوّامات وقائدات وزعيمات ومتفوقات في ميادين الحياة كافة، ولسن جواريَ لخدمة “سي السيد” وإرضاء ميوله الجنسية العليلة التي يتم ليّ عنق النص الديني لتستجيب لنداءاتها واستغاثاتها!
لكنّ المجابهة مع التيارات السلفية المتزمتة ذات التفكير المنغلق على الدائرة الدينية، ذات تأثيرات جانبية عديدة إن لم يتم التحوّط جيداً للحدث، لأن الاصطدام بالمفاهيم الدينية كالحجاب، حتى لو اعتمدنا أنّ لا نصّ دينياً صريحاً يفرضه، له وقع الاصطدام بالمقدس، مع أنه ليس كذلك، ولكنّ حتى نصل إلى مرحلة أنه ليس مقدساً، يتعيّن أن نعبيء الفضاء الديني ببديل مناسب لخطاب الغلواء التي يتستر بالدين لستر المرأة أو الزعم بذلك من أجل طردها من المجال العمومي وشلّ فاعليتها وتعطيل دورها الأساسي الذي يتعدى تربية الأبناء وطهي الطعام والتزيّن لإشباع نزوات الذكر الذي لا يحفظ من النص الديني إلا “نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنّا شئتم“.
لا يكفي أن يدعو صحفي إلى مليونية خلع الحجاب، ولا يكفي أن تنبري وسائل إعلام لترويج هذه “المهمة الجليلة”، ولا يكفي الزعم بأن الظروف السياسية في مصر مواتية لاستعادة ما كانت فعلته هدى شعراوي، أثناء استقبال المصريين سعد زغلول، في العام 1921، ولا تكفي الكراهية للإخوان المسلمين أن تكون مدعاة لهذه المليونية، لأن للأمر وجهاً آخر يتمثل في احترام المرأة، أي عدم فرض أي قرار عليها من فوق، سواء أكان ارتداء حجاب أم خلعه، فهذا الكائن له عقله وله خياره وقراره وإرادته الحرة. فإذا كنا حقاً حريصين على هذه الإرادة الحرة، فينبغي أن نترك للنساء حق الاختيار، بعد أن نفكك التأويلات الدينية التي ترفع الحجاب إلى درجة المقدس والتي تجعله من الفرائض الأساسية كالصلاة والصيام. ولا يمكن أن يقوم بهذه المهمة سوى فقهاء متنوّرين، ورجال دين شجعان، كما فعل الشيخ الإصلاحي المعمّم محمد عبده عندما أطلق رأيه الشجاع: “لا نجد في الشريعة نصاً يوجب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة، وإنما هي عادة عرضت عليهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين منها براء“.
د.موسى برهومة






























