هناك ازمة في العلاقات السعودية المصرية، والزيارة الخاطفة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى الرياض يوم امس واستغرقت ساعة وربع الساعة فقط، هي خطوة على طريق حلها، ولكن ما زال من المبكر الاغراق في التفاؤل في هذه الصدد، وهذا ليس مضوعنا على اي حال.
الاعلام المصري باشكاله كافة هو “التيرموميتر” الذي يمكن من خلاله معرفة ملامح علاقات مصر مع الدول المختلفة، وليس وزارة الخارجية وسفاراتها، فاذا شن هذا الاعلام، او معظمه، هجوما على “بلد ما” فان هذا يعني ان هناك ازمة، واذا امتدحها وقيادتها، فهذا يعني ان العلاقات معها على ما يرام، ويتساوى في هذا المضمار الاعلامين الحكومي والخاص، او معظم الاول وبعض الثاني.
السيد احمد قطان السفير السعودي في القاهرة يدرك هذه الحقيقة جيدا، مثلما يدركها كل زملائه الذين احتلوا هذا المنصب طوال الستين عاما الماضية ان لم يكن اكثر، فالرؤوساء يتغيرون في مصر، ولكن وظيفة الاعلام وهويته لا تتغير، فهو واسلوبه “الثابت الوحيد”.
لا نتورع عن الاعتراف بأننا نتفق مع السفير قطان فيما قاله في مقابلة تلفزيونية منتقدا الاعلام المصري والاساءات التي يوجهها هذه الايام الى المملكة العربية السعودية ورموزها، مؤكدا انه جرى الاحتجاج رسميا على هذه الاحتجاجات والمظاهرات، وقال “يجب ان نقر بأنه منذ ثورة يناير حدث انفلات اعلامي تعاني منه مصر وتتضرر منه كدولة، حتى يومنا هذا”.
الاعلام المصري يعيش حالة من الفلتان، مثلما قال السفير السعودي، ويفتقد بعضه الى الكثير من المصداقية والمهنية، مثلما نؤكد نحن، ولكن السؤال الذي نتمنى على السيد السفير ان يجيب عليه وهو: هل الاعلام السعودي او معظمه، في حال افضل؟ لنا راي مختلف سنطرحه لاحقا.
قبل ان ننتقل الى الاعلام السعودي، او معظمه، نود التأكيد بأن جميع الصفات والتوصيفات التي تنتقد الاعلام المصري او بعضه، ليست جديدة، الامر الذي جعل هذا الاعلام، او بعضه، (ونصر على كلمة بعضه حتى لا نتهم بالتعميم) محدود التأثير في المحيطين العربي، وبدرجة اقل في محيطه المصري، بحكم التكرار وزيادة جرعة الصراخ، وغياب الرأي الآخر، وما تراجع شعبية “التوك شو” على القنوات المصرية في الاشهر الاخيرة الا احد الامثلة.
ربما تكون الحكومات المصرية السابقة حققت نجاحات كبيرة في العديد من المجالات، ولكنها ومنذ وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لم تنجح مطلقا في البناء على “سابقته” الاعلامية في احكام سيطرتها، وعبر وسائل الاعلام، على الرأي العام العربي، وكل المشاريع الاعلامية التي اطلقها الرئيس الذي خلفه محمد انور السادات، والرئيس حسني مبارك من بعده لاصلاح هذا الخلل، من خلال اطلاق مجلات مثل “اكتوبر” ومحطات تلفزيونية لمنافسة “الجزيرة” مثل “النيل” لم يكتب لها النجاح، واذا نجح بعضها فان نجاحها كان محدودا جدا.
الاعلام الخليجي، والسعودي منه على وجه الخصوص، كان اكثر نجاحا وتأثيرا، لانه كان، وما زال، اعلاما عابرا للحدود، وبهوية عربية جامعة، ولنا في صحف مثل “الشرق الاوسط” و”الحياة” ومحطات تلفزيونية مثل “ام بي سي” و”العربية” والعديد من المحطات “الاسلامية” مثل “اقرأ” خير الامثلة في هذا الصدد.
الاعلام السعودي، او “بعضه” بدأ يسير على نهج الاعلام المصري، ويلجأ الى لغة التشائم والتشهير والقذف في كل من يختلف معه او حكومته وسياساتها، وبشكل مباشر، بعد ان كانت السلطات السعودية في الماضي “تتعفف” عن هذا المنحدر، وتلجأ الى استخدام “منابر عربية” للقيام بهذه المهمة نيابة عن اعلامها، وفي حدود ضيقة جدا، ولكن دوام الحال من المحال.
الاسلوب الآخر الذي اتبعته الحكومات السعودية اعلاميا هو “تحصين نفسها” من اي هجمات او المعاملة بالمثل، بـ”ارهاب” اعلام الدول الاخرى من خلال “ارهاب” حكوماتها، وتملك ادوات كثيرة مؤثرة في هذا الصدد، وهو سلاح المساعدات المالية، وتأشيرات الحج والعمرة والعمل وغيرها، ففي الاردن على سبيل المثال لا الحصر، تستطيع ان تنتقد الحكومة ووزراءها، بل والعاهل الاردني نفسه، ولكنك لا تستطيع ان تنتقد السفير السعودي ناهيك عن حكومته ولو برفق شديد جدا، وبكلمات ناعمة، والآن امتد الشيء نفسه الى معظم دول الخليج، وما اعتقال السيد زكي بني ارشيد احد قادة الاخوان المسلمين لانتقاده دولة الامارات، الا احد الادلة في هذا الصدد.
المشكلة ان هذه “الهيمنة” السعودية تكرست، من خلال الوحدة “شبه الاندماجية” التي تمت مؤخرا بين الامبراطورية الاعلامية السعودية، وامبراطوريتين خليجيتين، هما قطر (الجزيرة) والاماراتية على ارضية “عاصفة الحزم” والتصدي للنفوذ الايراني واذرعه.
المشهد الاعلامي العربي يتغير بوتيرة متسارعة، فهناك اكثر من خمسة منتديات اعلامية كبرى خليجية بامتياز لا يحصل على جوائزها في معظم الاحيان، او يشارك فيه الا المرضي عنهم خليجيا، وسعوديا بالذات، حتى ان احد المنتديات الاعلامية العربية اغفل في دورته الاخيرة منطقة الاتحاد المغاربي كليا، رغم ان هذه المنطقة تشكل نصف العرب من حيث المساحة وعدد السكان، وتملك مخزونا اعلاميا وثقافيا متقدما للغاية في مهنيته ومصداقيته، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود.
السلطات السعودية وضعت قوانين تعاقب بالسجن حوالي عشر سنوات لكل من يتطرق بالنقد لنظام الحكم، او يطالب بالاصلاحات، او يقذف في حق المسؤولين، ولكنها تشجع وبكلمات بذيئة، واوصاف غير اخلاقية، ومستويات هابطة، لكل من ينتقد وبادب جم المملكة.
واي متابعة لانشطة “الجيش الالكيتروني السعودي” على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد ما نقول، ومن المؤسف ان دولا خليجية اخرى تتبع النهج نفسه، واذا اراد احدهم ان يلجـأ الى القضاء السعودي لمقاضاة هؤلاء، مثلما هدد السفير السعودي في القاهرة الصحف والمحطات المصرية، فانك تجد الابواب مغلقة باحكام.
حتى لا تتهم هذه الصحيفة “راي اليوم” بعدم دعم اقوالها بالادلة، نقول اننا صدمنا بوصف مذيع كبير في محطة “الاخبارية” السعودية الرسمية السيد حسن نصر الله بـ”ابي زمارة”، ووصف الايرانيينّ “المجوس″ وهذه الالفاظ لا تليق بمحطة تمثل رسميا ارض الحرمين، وتبث من ارض الوحي والنبوة، اما عن “المجوس″ فنحمد الله اننا كعرب اهدينا هؤلاء “المجوس″ الى الاسلام، اي لم يعودوا مجوسا، عبدة النار”، وربما يفيد تذكير هؤلاء في الاعلام السعودي وغيره، ان ائمة هؤلاء الاثني عشر هم من العرب وآل البيت، فهل هؤلاء من “المجوس″ ايضا؟ اكرهوا ايران وتحسسوا من خطرها، لكن قلب الحقائق مرفوض ومذموم، والارتقاء بالخطابين الديني والسياسي هو من شيمة الحكماء، ولا نملك الا ان ندعو لهؤلاء، الذين يهبطون بمستوى خطابهم بالهداية، والتمسك باخلاق الاسلام وقيمه ورسوله.
نريد من الذين ينتقدون الاعلام المصري، الذي كنا وما زلنا من ابرز منتقديه وقبلهم بعقود، نريد منهم ان لا يقعوا في اخطائه، ويتبنون نهجه، وان يقدموا النموذج النقيض في المهنية وادب الحوار، واحترام “الرأي الآخر”، والردود السعودية على هذا الاعلام المصري، والهجوم الذي شنه الاعلام السعودي على مذيعين ومقدمي برامج مصريين انتقدوا المملكة، ومن قبل كبار الكتاب في بعض الاحيان لا يوحي بذلك، ونكتفي بهذا القدر.
“راي اليوم”































