بداية ثمانينيات القرن الماضي، شاركت ضمن كوكبة ”المناضلين الجذريين”، في إعادة تأسيس النقابة الوطنية للتعليم، وجمعية البعث الثقافي، وباقي المسلسل…
وقد كانت اللحظة، جد حرجة في المغرب، إذ أن أجهزة الاستخبارات، ما كانت تسمح للخارجين من ”سرب المخزنة”، أن يحلقوا عاليا، في ”ملكوت” النضال الصادق، والحلم بالتغيير الديمقراطي…كما أن عتاة الاستعمار، ما وفروا وسيلة، لإجهاض حلم الاستقلال، بما في ذلك استعمال أسلحة الدمار الشامل، ضد ”الجمهورية الشعبية الريفية”، بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي؟الذي يعمل بعض أبناء ”خونة الأمس”، على تحويله إلى مجرد ”فقيه”، أو ”شاهد” على مقبرة خربة؟لكن هيهات، وقد ”فاتهم القطار”، كما فات صاحب هذا ”الكشف” في اليمن، الذي ما بات سعيدا؟
كنا ندرك حجم التحديات الخارجية، والتي تحدث عنها بقوة، المخبر البغاري، في كتابة المعلوم، بصدد ”بويا البشير”، والمهدي بن بركة، ”والزعماء السياسيين”، ”المتعاونين” على تحطيم أحلام المناضلين، ومن داخل إطارات المجتمع المدني والسياسي…في إطار مشروع ”الدولة”، الساعي إلى ”مخزنة الدولة والمجتمع”، وتركيع الناس، كل الناس؟
لكن، ترى هل كنا نستوعب طبيعة وخطورة التحديات الداخلية؟وهل وفرنا لها ما يكفي من المناعة الذاتية؟وهل كنا جميعا في مستوى تحدي هذه الآلة الجهنمية، والتي(تتسلل متخفية في اتجاه القلب والعقل، من مسامات ومسارات)يلعب فيها المال، والجنس، وضعف الإيمان والقناعة، أخطر الأدوار التدميرية؟
أجل، أوصل المسلسل بعض أصدقائنا، إلى ما يشبه الجنون؟وأوصلت المقاومة الشرسة بعض مناضلينا، إلى مكابدة تبعات المنافي والسرية والمعتقلات، التي كان حظي منها، وافرا، مع الأسف الشديد…
كنا نداوي ترددات ( الوقت )، بجملة شعارات سبعينية، كانت صالحة للاستعمال، في كل الاتجاهات ”إما المقاومة، أو المقاومة، ولا حل ثالث بين المعادلتين، إذ حين تطبق الكماشة المخزنية، على أحد المناضلين، كان ”الرفاق” ينشدون وبحماس منقطع النظير:”الله ابليك بالنضال، حتى تلبس الدربالة × زنزانة المعتقل، ما يدخلها من والى”، أما حين يفلت أحدنا، لسبب ما(قد يكون وراءه منهج المخابرات ذاته) فإننا نرفع عقيرتنا بزهو وكبرياء:”المناضل آخر من يعتقل”؟
ضمن هذه الدوامة المشحونة بالعذابات والجراحات والمكابدات، تم استدعاء المرحوم والدي سنة 1982 لإقناعه بالضغط على أحمد، الذي بات ورفاقه، يهددون ”استقرار الوطن” (ولا حول ولا قوة إلا بالعدس المسلوق وبالشاي البائت، ورحمة الله على شاعرنا السبعيني عبد الله راجع)؟
خلاصة هذا المسعى البغيض، هو ”فك ارتباطي”بالعائلة، لمدة معينة، واختيار السكن – مؤقتا- مع الصديقين عبد المجيد أزرياح، و احميدو أولاد علوش رحمه الله، وتحديدا بمنزل الأستاذ حمادي، أطال الله في عمره…وفشلت مقاربة العامل، في استعمال الرابطة العائلية وصداقاتها بالمدينة، في مسلسل تدمير العائلة، وتغيير قناعة أحمد، والحمد لله كثيرا.
وفي هذا الاتجاه أيضا، ورغم ”نضوج الذات”، وتعاظم مسؤولياتي الأسرية والتحولات السياسية بالبلد…وخلال ما أعقب زلزال الحسيمة (طبيعيا وسياسيا) ركبت الخيار ذاته:النأي بالنفس خارج أجواء قبول مصادرة الحرية والكرامة وعزة النفس، ما استطعت إلى ذلك سبيلا، والحمد لله كثيرا، على سلامة الاختيار.
تحضر الآن، هذه اللقطات من ماضي سنوات الرصاص، ليس من أجل الانتشاء بذات تتمنع على المخزنة، ولا ترضى لنفسها، إلا العيش باستقلالية كاملة وحرية شاملة، وفق ما ترتو إليه نفوس كل الأحرار في العالم، وليس مرد هذا الاستذكار الذي تقشعر له أبدان من يعرفون تفاصيل ما أعني، وحجم التكلفة، التي تنتظر من تأخذه عزة النفس، نحو امتشاق القلم، وناصية الوثيقة، ومرارة الحقيقة، وكنس الطاولة، من السماسرة والمتلاعبين بأمصار وأقدار الناس، والمتطاولين على هامات الشرفاء والأحرار، وكل الخزعبلات التي تحاول تعميم الغباء والخواء واللا معنى؟
لست مسيلمة، ولا كذابا، لأقوال(مع المؤلفة قلوبهم، والمنزوعة جلودهم…) بأن سماء المغرب باتت فضاء تعمه الفراشات والعصافير، وأن خفافيش الظلام قد انقرضنت، وما عادت تحلق في أجواء الجمعيات والأحزاب والنقابات والصحافة الورقية والالكترونية…ومع ذلك، وعن صدق ونزاهة، أقول:في الكأس بعض الماء، وفي الشرفاء من ”قبيلة” الريف الكبير، وعموم المغرب الجميل، وفي هذا العالم الحاضن(ورغم الداء والأعداء)لكل قيم الحرية والثورة على خوازيق الاستبداد…بقية روح، بقية أمل، بقية حياة.
أحمد البلعيشي
الحسيمة
06-05-2015
عن موقع هنا الريف































