التبريس.
حين يعيد الشخص شريط مساره الدراسي بمدرسة محمد الخامس بالحسيمة، يستحضر معلما ترك بصماته واضحة في مخيلة تلاميذ هذه المؤسسة الابتدائية، وهم يتذكرون ” سعاد في المكتبة ” و” سروال علي ” و” زوزو يصطاد السمك ” و ” أكلة البطاطس ” و”الرمح المسحور ” و” الطفل الأمي ” وغيرها من النصوص التي كانت تحفل بها تلاوات ” أحمد بوكماخ ” التي لقنها إيانا هذا الفارس الذي كنا نسميه ” سي بوعزيزي “. اسم على مسمى، قامة فارهة، ربطة عنق لاتفارقه، هندام على شاكلة الأفلام الفرنسية في الستينات، حنون كالأب، لا يعرف الكلل إليه سبيلا. من يتذكر مدرسة محمد الخامس بجرسها ومراحيضها التي كانت تزكم أنوف التلاميذ بروائحها الكريهة، وبمطعمها وحارسه المرحوم ” أخشون “، يتبادر إلى ذهنه ” سي بوعزيزي “، وزملاؤه في المهنة من أمثال ” سي شعيب ” و”سي امحمد ” و” سي الخمليشي ” و” سي الفارسي ” و” سي التمسماني ” وغيرهم من المعلمين.
كنا نحن تلاميذ مستوى التحضيري أنذاك ( موسم 1963 ـ 1964 ) نتسابق نحو المقاعد الأمامية للإنصات بشغف كبير إلى سي بوعزيزي، الذي لم يكن يعرف الكسل ولا التهاون أوالتخاذل. كان معلمنا حريصا على هندامه، وكان مثالا يحتذى به، ويتفانى في خدمة رسالته النبيلة. إليه يعود الفضل في تعلمينا كتابة الحروف وقراءتها. كانت لديه وسيلة غريبة وفريدة من نوعها يستعملها لتأديب التلاميذ المشاغبين الذين كانوا يختارون المقاعد الخلفية لممارسة شغبهم الطفولي، رغم أنه لم يكن قاسيا معنا إلى حد قساوة معلم قسم الشهادة ” سي بوحسانة ” و” سي نجدين “. ومازال السي بوعزيزي يقطن إلى يومنا هذا بحي الأحباس بمدينة الحسيمة. أتذكر كثيرا أنه كان يجيء إلى المدرسة في سيارة حمراء اللون من نوع ” بوجو 504 “، اقتناها رغم هزالة راتبه الشهري الذي لم يكن يتجاوز في تلك المرحلة 500 درهم، بما فيها التعويضات العائلية. كنت تحس أنه معلم يحب مهنته إلى درجة التقديس. كان من بين المعلمين الذين يتحدثون إلى آباء وأولياء التلاميذ، ويحدثونهم على مراقبة أبنائهم، خاصة أنه كان يحس أننا أمانة في عنقه فما عليه إلا أن يقودنا إلى بر الأمان. رجل قضى سنوات بين جدران مدرسة محمد الخامس الابتدائية يتنفس هواء القسم بطاولاته المهترئة ومكاتبه الخشبية،واستعمال الزمن والتوزيعين السنوي والشهري.
مازالت ألتقي ب” سي بوعزيزي ” يسألنا عن آبائنا وزملائنا. أنهى ” سي بوعزيزي ” مساره مديرا بمجموعة مدارس تماسينت 1 ومدرسة ابن الخطيب بالحسيمة، كما انتخب رئيسا للجماعة القروية تماسينت. كان بالفعل نموذجا للمعلم النزيه والمخلص، يستحق أن يقال في حقه :
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
جمال الفكيكي






























